اخر الأخبار

من تاريخ الجاسوسية هل تمكنت المخابرات الروسية من تجنيد مستشار عبد الناصر ؟

ioiou

فى عام 1974 أصدرت مؤسسة الريدرز ديجست الأمريكية بنيويورك كتابا ضخما بلغ عدد صفحاته 462 صفحة, وكان عنوانه غريبا. إذ لم يكن يتكون إلا من ثلاثة حروف لاتينية كبيرة هى (K.G.B)كتبت بلون أبيض على الغلاف الحمر للكتاب. وتحت هذه الحروف الإنجليزية,. كانت مكتوبة بضعة أسطر سوداء باللغة الإنجليزية . كانت ترجمتها العربية هى ( العمل السرى للعملاء السريين السوفييت – تأليف جون بارون) وهكذا اتضح أن الحروف الثلاثة إنما هى اصطلاح باللغة الروسية يدل على أخطر جهاز سري سوفيتي ظهر فى التاريخ, وهو جهاز المخابرات والجاسوسية بالاتحاد السوفيتي, ذلك الجهاز الذي يعمل في خدمته نحو نصف مليون شخص, وتشغل رئاسته ثلاثة مبان كبيرة في ميدان ديزرزنسكي بموسكو وقد سبق أن تولى رئاسة الجهاز يورىي أندروبوف الرئيس السوفيتي الراحل ويتولى رئاسته حاليا الجنوزال فكتور شيبريكوف .
إن جهاز المخابرات العامة السوفيت هو الأداة الرئيسة التي عن طريقها يتمكن الحكام السوفييت من حكم بلادهم ومن رسم السياسة الخارجية السوفيتية ويتحكم هذا الجهاز في مصير نحو 250 مليونا من مواطني الاتحاد السوفيتي وعدد آخر لا يحصى من مواطني الدول التي تدور في الفلك السوفيتي, وقد قام بتأليف الكتاب كاتب أمريكي معروف يدعى جون بارون. كان محررا قديما في مجلة ريدرز ديجست, والتحق في بداية الخمسينات بمدرسة المخابرات التابعة للبحرية الأمريكية, وتخصص في اللغة الروسية, وعمل في برلين لمدة عامين كضابط مخابرات. وعندما تم تسريحه من البحرية عام 57 انضم إلى أسرة تحرير جريدة واشنطن ستار, حيث أكسبته مقالاته وتحقيقاته الصحفية شهرة كبيرة ومكانة مرموقة.
وقد أثار الكتاب منذ صدوره ضجة كبرى في شتى أرجاء العالم إذ إنه كان أول مرجع موثوق بصدقه, يكشف الستار عن الأسرار الخطيرة للجهاز السوفيتي الرهيب ماذا يفعل؟ وكيف يمارس نفوذه الخفي الواسع النطاق على المستوى العالمي؟ ولم يتمكن جون بارون من تأليف كتابه الذىي حاز كل هذه الشهرة إلا بعد أن أمضى أربع سنوات جريا وراء البحث والتحقيق في حقيقة نشاط هذا الجهاز, الذي تشعبت عملياته وامتدت سطوته إلى كل مكان على وجه الكرة الأرضية.
لقد أتيحت للمؤلف الفرصة لدراسة آلاف الوثائق فى أرشيف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية . كما تم له معرفة الكثير من الأسرار بالتعاون مع معظم أجهزة المخابرات في العالم الغربي, وأهم من ذلك كله هو تمكنه من عمل لقاءات مع عدد من ضباط المخابرات السوفيت السابقين الذين فروا من تحت السيطرة المحكمة للجهاز الجبار, الذي كان يتولى تشغليهم, ولجأوا إلى دول أوربا الغربية أو إلى الولايات المتحدة, وقد كشف هؤلاء باعترافاتهم الستار عن دق أسرار جهاز المخابرات السوفيتي, كما كانوا السبب في انكشاف أمر عدد كبير من عملاء السوفيت في مختلف بلاد العالم.
ومن بين أهم ثماني عمليات في العالم أحرز فيها الجهاز السوفيتي نجاحا باهرا, وسيجعلها المؤلف على غلاف كتابه, عملية تتعلق بمصر وكان عنوانها ” كيف احتال الجهاز سرا على الرئيس المصري ناصر بتجنيد مستشاره الخاص؟ وقد اتضح أن ضابط المخابرات السوفيتي الذي روى للمؤلف الأمريكي أسرار هذه العملية الخطيرة, كان عميلا مزدوجا, عمل لحساب المخابرات السوفيتية في الوقت الذي يعمل فيه لحساب المخابرات الأمريكية وهو يدعى فلاديمير سخاروف وقد تمكن من الهرب و اللجوء إلى مندوب المخابرات المركزية الأمريكية بالكويت, قبل منتصف الليل يوم 10 تموز 71 بعد أن وصلته إشارة التحذير من الأمريكيين بأن المخابرات السوفيتية قد انكشفت أمره, هذا وقد عقد جون بارون عدة لقاءات مع ذلك العميل المزدوج السوفيتية في هذه الدول كما كشف له عن أسماء بعض أصحاب المراكز الهامة فى مصر الذين جندتهم المخابرات السوفيتية للعمل لحسابها.
من المعلومات التى سجلها جون بارون عن قصة العميل المزدوج سخاروف التي دونها في الفصل الثاني من كتابه الذي جعل عنوانه ” أسرار من الصحراء” والذي بلغ عدد صفحاته 34 صفحة ( من الصفحة 29 إلى62) نعرف أن سخاروف كان عام 67 شابا وسيما في الثانية والعشرين من عمره, ذا جسم قوى مفتول العضلات, انحدر من أسرة تعدّ بالمقارنة بالأسر السوفيتية ذات ثروة ونفوذ.
وكان والده محل ثقة المخابرات السوفيتية بحكم عمله عشرين عاما في وظيفة حامل حقيبة دبلوماسية بوزارة الخارجية,وقد قام والده بأداء خدمات جليلة للمخابرات السوفيتية خلال عمله بالخارجية, مما جعل له كثيرا من الأصدقاء من أصحاب القوة والنفوذ في موسكو. وبحكم دراسة سخاروف اللغة العربية لمدة خمس سنوات في معهد العلاقات الدولية بموسكو حتى أتقنها.
انفتح أمامه باب العمل بوزارة الخارجية السوفيتية, فأرسلته للتدريب لمدة ستة أشهر في القنصلية السوفيتية بميناء الحديدة باليمن الشمالية, فذهب بمفرده وترك زوجته الحامل في طفلها الأول في موسكو.
وكانت الحكومة السوفيتية تسيطر سيطرة كاملة وقتئذ على الرئيس اليمني عبد الله السلال , ولم يكن السلال يرغب في أن تتم مقابلاته مع السفير السوفيتي ( ميرزورحماتوف ) علانية في العاصمة صنعاء, مما دعا المخابرات السوفيتية إلى شراء منزل بالقرب من الحديدة لتجعل منه مكانا لعقد لقاءات السلال مع السفير السوفيتي. وكان التنافس من أجل الحصول على نفوذ في اليمن على أشده وقتئذ بين الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية , ولذا كان الصينيون في الحديدة يسببون متاعب كثيرة للجالية السوفيتية التي كان الحي السكني المخصص لأفرادها لا يفصله سوى جدار واحد عن القنصلية الصينية بالحديدة, وانتهز الصينيون فرصة الهزيمة التي حاقت بالعرب في حرب 67 لشن دعاية شعواء ضد الاتحاد السوفيتي باتهامه بخيانة العرب, وبأنه كان السبب وراء هزيمتهم فى الحرب.وفى صباح 10 تموز 67 , وبينما كان سخاروف وحده في مكتبه بالقنصلية أحاطت بالقنصلية مظاهرة صاخبة, اشترك فيها نحو 1500 يمني, يتقدمهم بعض المحرضين والمهيجين من الصينيين, وكادوا يحطمون القنصلية ويفتكون بسخاروف الذي أوصد جميع الأبواب والنوافذ, وواجه المتظاهرين وحده لولا وصول النجدة من القوات المصرية التي تمكنت من تفريق المظاهرة, ومن إنقاذ سخاروف, وخلال عمل سخاروف باليمن كقائم بأعمال القنصل بسبب قيام القنصل الأصلي بإجازته فى موسكو , اتصل به مندوب المخابرات السوفيتية في الحديدة فلا ديمير ايفشينكوف , وتم له تجنيده للعمل لحساب المخابرات وطلب منه تقديم تقارير سرية عن جميع أفراد الجالية السوفيتية بالحديدة, خاصة الذين لهم علاقات واتصالات بالعرب, كما طلب منه الحصول على معلومات على الحامية المصرية في الحديدة.
واستمر سخاروف يقدم تقاريره السرية بهمة ونشاط إلى مندوب المخابرات حتى نجح في الحصول على ثقته, ونتيجة لذلك أرسل رجل المخابرات ايفتشينكوف إلى إدراته فى موسكو يعدد مواهب سخاروف ويرشحه للعمل ضابطا في المخابرات السوفيتية. وعندما صدقت وزارة الخارجية على عودة سخاروف إلى موسكو بعد انتهاء المدة المحددة له للتدريب رأى لأول مرة طفلته الجميلة إيكاترينا, ولم تكد حفلات الترحيب التي أقيمت له في موسكو بمناسبة عودته تنتهي حتى جاءه استدعاء سري في تشرين الاول 67 ليقدم نفسه على أحد العناوين في موسكو, وعندما وصل إلى ذلك المكان قابله فاسيلي إيفا نرفش الذي علم بعد ذلك ا،ه مندوب المخابرات الذي تولى عملية تجنيده وفي كانون الثاني 68 تم تعيين سخاروف كملحق في القنصلية السوفيتية في الإسكندرية , وسافر هذه المرة وبصحبته زوجته الجميلة ناتاليا وابنته إيكاترينا.وعلى رصيف الميناء وجد سخاروف رجلا في الأربعين من عمره ينتظره ويرحب به قائلا أنا فكتور سبيرونوف نائب القنصل في الإسكندرية , حجزت لك شقة جميلة في نفس المبنى الذي أقيم فيه, تعالوا فإن زوجتي تنتظركم لتناول العشاء معنا, وفي شقة سبيرونوف دار حديث طويل فهم منه سخاروف أن مضيفه يعلم كل شيء عنه, وأدرك على الفور أن سبيرونوف هو رجل المخابرات السوفيتي في الإسكندرية , وتم الاتفاق على أسلوب العمل بينهما وتناقشا في تفاصيل كثيرة بعملهما السري المشترك.
وكانت المدة التي أمضاها سخاروف في مصر من أخطر المدد بالنسبة لنشاط المخابرات السوفيتية في الشرق الأوسط وكان أشد ما يثير قلق السوفييت هو احتمال توصل مصر و إسرائيل إلى تسوية سلمية بينهما, مما قد يؤدي إلى انتهاء حاجة مصر إلى الأسلحة والمعدات السوفيتية, وبالتالي إلى انتهاء الوجود السوفيتي في مصر .وكان ذلك هو ما دفع المخابرات السوفيتية إلى إنشاء مؤسسة سرية في مصر تابعة لها كانت تستهدف من وراء إنشائها استمرار فرض سيطرتها على مصر في المستقبل, ولذا بذلت مجهوداتها لتجنيد عملاء لهذه المؤسسة في المجال العسكري وفي أجهزة الأمن والصحافة وفي الجامعات وفي الاتحاد الاشتراكى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى