النسخة الرقميةثقافية

الكتاب و الحضارة.. كتاب «جولة فكرية» نموذجاً

دنيا علي الحسني

الكتب هي ثروة العالم المخزونة, وأفضل ارث للأجيال والأمم, والآثار القيمة الأكثر بقاءاً مع الزمن, كنت ارى الكتاب شيئاً مدهشاً, يضم بين دفتيه روح المؤلف ولقد كنت احرر هذه الروح. كلما قرأت كتاباً فاذا هي تتصل فيه بصورة عجيبة, في زيارتي الاخيرة الى جريدة المراقب العراقي أخبرني احد الزملاء المحررين, وصلهم كتاب بيد شخص واوصاهم ان يسلموني الكتاب هدية من الباحث المحامي جواد الظاهر عضو شرف اتحاد مؤرخين العرب, وعندما تسلّمت الكتاب تصفحته فوجدت رسالة كتبها بخط يده: «ابنتي دنيا علي الحسني قرأت مقالاً لك في صحيفة المراقب العراقي بتاريخ 10/ 9/ 2018 محاورة مع (د. طه جزاع)، وهو كاتب صحفي يتحدث عن فلاسفة اليونان وغيرهم, ويظهر أنك يا بنتي قد أُعجبتِ بقضايا الأدب, وفي علم النفس والفلاسفة، لذلك اهدي لك هذا الكتاب في تاريخ الآداب الأوربية والعربية والفلسفة ونظرياتها ومذاهبها لتزدادي علماً». كانت مفاجأة جميلة عندما قرأ حواري الصحفي ونال اعجابه، وهو من القامات والشخصيات الراقية والمتألقة بنشاطه الثقافي, الباحث المحامي جواد الظاهر بدأ نشاطه الصحافي مع إصدار صحيفة (المجتمع), التي كان رئيس تحريرها ومديرها المسؤول، وكتابة المقالات الافتتاحية ولقاءاته الصحفية, مع الشخصيات الثقافية مثل د. علي الوردي وغيره. كما نشر مجموعة من المقالات في الصحف العراقية في الستينات، ثم اخذ يكتب ويخزن ما كتبه لغاية عام 2003م.
وبعد عام 2003م نشط في جميع المجالات الثقافية والادبية وحضوره المجالس الثقافية لإلقاء المحاضرات فيها, ونشر مقالاته وقصائده في الصحف العراقية والعربية وبدأ بإصدار مؤلفاته عما كان يخزنه من معلومات ثقافية وتاريخية وادبية, عن تاريخ العراق السياسي الحديث وثورة العشرين وادب الرحلات ومؤتمرات المحامين العرب ومحلات بغداد القديمة والقصص وديوان الشعر العمودي والشيعة والشيوعية وتاريخ الحركة الشيوعية في العراق, وجولة فكرية في تاريخ الآداب الاوربية والعربية، ولا يزال يكتب عن مؤلفات اخرى سوف تصدر قريباً وانتماؤه الى اتحاد المؤرخين العرب بالرغم من بلوغه التسعين من عمره.
عندما قرأت الكتاب للمرة الاولى شعرت بالسعادة لأني كسبت صديقاً جديداً، وعندما قرأته للمرة الثانية اشعر اني التقيت صديقاً قديماً, يوم كان للأدباء والشعراء دور في التوجيه والنصح ويوم كانت لغتنا العربية الجميلة لغة العصر, ولمجيدها – خطابةً, ونثراً, او شعراً – مكانة مرموقة في المجتمع، وعليه القوم وكانت اقوالهم سائدة مدى العصور, ما دامت قد قيلت عن صدقٍ, ونية صالحة, مع ان المركبات المدنية والعسكرية قد حلت اليوم محل السروج السابحة, فإن الكتاب لم يزل خير جليس، في زمن فوضى وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما التي نعيشها هذه الايام التي سلبت فيها حريتنا في القراءة بسبب طغيان القنوات المرئية والمسموعة، والعديد منها يأتمر بجهات استخباراتية. تعمل على مسح ما في ذاكرة الشعوب من معلومات مخالفة لرؤيتها, وللعالم الجديد الذي تتطلع لفرضه على الجميع. وقياساً على قول المتنبي وخير جليس في الزمان الكتاب، فقد عادت الكتب خير ما تهدى هذه الايام للأهل والاصدقاء, وخير من يهديها ومن تهدى إليه من عشقوا قراءة سيرة العظماء.لقد استنبط المحامي جواد الظاهر طريقة مبتكرة في كتابة سيرته الذاتية، بحيث لا تدخل ولا تنقيح فيها من كاتب او إعلامي متخصص في تجميل الصورة لشخصيته المبدعة, ويكاد من يطالعها يجد نفسه امام شاشة عرض تقدم فيلما وثائقيا لمرحلة من مراحل بناء مملكته الثرية بالأدب والثقافة العامة, حيث ترك بصمات وطنيته واخلاصه ووفائه للعراق، وبذلك يعاد للكتاب رونقه, ليعود خير جليس في زمنٍ أضحت السروج مقاعد الادباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى