معركة حامية بين المثقفين ومجلس النواب العراقي بسبب النشيد الوطني

أبدى الادباء والمثقفون العراقيون غضبهم واستغرابهم من موقف مجموعة من أعضاء مجلس النواب العراقي لتخليهم عن قصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري وترشيحهم أغنية (سلام عليك) للشاعر الغنائي أسعد الغريري نشيداً وطنياً لجمهورية العراق!وعارض الكثير من الأدباء فكرة ترشيح أغنية بسيطة بدلاً من قصيدة الجواهري اعتماداً على مزاج بعض النواب، وعدّوا ذلك استخفافا بأهمية النشيد الوطني، فيما أشار البعض الى كلمات النشيد المرشح التي فيها إحباط كبير، مثلما ذهبوا الى ان لحن هذه الاغنية ليس أصيلا بل مأخوذ من النشيد الوطني العراقي عام 1958، وأعرب البعض انه يخجل ان تكون ما اسمها (الطقطوقة) نشيدا للعراق وبديلة لقصيدة الجواهري الخالدة.
وكان رئيس كتلة الإصلاح والإعمار النيابية صباح الساعدي والقيادية في تحالف «سائرون» إنعام الخزاعي يوم الخميس الماضي قدّما اقتراح قانون النشيد الوطني الجديد، بموافقة سبعين نائباً من مختلف الكتل السياسية إلى رئيس مجلس النواب.
وسبق لمجلس النواب العراقي ان صوّت من حيث المبدأ، خلال جلسته الخامسة من الفصل التشريعي الأول للسنة التشريعية الثالثة التي عقدت يوم 12 تموز عام 2012 على اعتماد مضمون قصيدة الشاعر محمد مهدي الجواهري (سلام على هضبات العراق) كنشيد وطني لجمهورية العراق.
الجواهري.. صاحب موقف كبير
وما ان تناهت الأخبار عن قيام عدد من النواب ترشيح اغنية (سلام عليك) حتى اصدر الاتحاد العام للأدباء والكُتاب بيانا صحفيا اكد فيه رفضه لترشيح أي نشيد غير نشيد الجواهري الذي سبق ان عضّدته لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب سابقا، محذّرا من التعامل مع مفصل تخصصي خطير بأهمية النشيد الوطني، بهذه السهولة والاستخفاف، وقال بيان الاتحاد: يعبّر الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق عن استغرابه وعجبه وغضبه، من موقف مجموعة من النواب بترشيحهم أغنية (سلام عليك) نشيداً وطنياً لجمهورية العراق!
واضاف: وهنا لا بدَّ أن نقول: إننا في اتحاد أدباء العراق قد رشّحنا قصيدة الجواهري (سلام على هضبات العراق.. وشطيّه والجرف والمنحنى) إلى لجنة الثقافة والإعلام سابقاً، وقد عضدت اللجنة ترشيحنا آنذاك.
وأوضح: وكان ترشيحنا للأسباب الآتية:
١. ان القصيدة للجواهري الذي أطلق العرب عليه لقب (شاعر العرب الأكبر)، وهو اسم قدير كبير على امتداد العراق طولا وعرضا وتاريخا.
٢. الجواهري ليس شاعراً كبيرا فقط بل هو صاحب موقف كبير وهو معارض لصدام وقد افتتح مؤتمر المعارضة العراقية عام ١٩٩١ دعما لانتفاضة آذار المجيدة ضد صدام وتم حذف قصائده من مناهج المدارس منذ الثمانينات ورحل عام ١٩٩٧ ودفن في مقبرة الغرباء في حي السيدة زينب بدمشق. أما الآن وقد أثير موضوع أن يتم ترشيح أغنية (سلام عليك) كي تكون نشيدا وطنيا، فإن هذا الأمر يعدٍّ واضحاً على تاريخ الأدب العراقي، وتاريخ الموسيقا أيضاً، فكلمات (سلام عليك) بسيطة لا تليق بقامة الأدب العراقي الذي أنجب المتنبي والجواهري والسياب ومئات الأسماء الرنانة، كما ان لحن قصيدة (سلام عليك) مقتبس من نشيد الجمهورية الأولى للمؤلف الموسيقي العراقي لويس زنبقة.
وتابع: مع تأكيدنا أن النشيد الوطني يمثل رمزاً محاطا بهالة من القدسية فكيف نرشح كلماتٍ لشاعر كي تكون نشيداً وطنياً للعراق الجديد وهو شاعر مجّد بكلماته النظام الديكتاتوري السابق؟!
وختم بالقول: فإلى الجهات المعنية بالأمر، من رئاسات ووزارات ونوّاب، احذروا كلَّ الحذر، فالتعامل مع مفصل تخصصي خطير بأهمية النشيد الوطني، بهذه السهولة والاستخفاف أمر لن تحمد عقباه، ولن يمرَّ أبداً، إلا إذا أراد المسؤولون الجدد أن يعيدوا نفيَ الجواهري مرةً أخرى، ليدفن في الغربة دليلاً على بقاء النظام السابق حاكماً الآن.
من جهته قال الكاتب حامد المالكي: الفنون العظيمة كالموسيقا، والقصائد الخالدة لا تستشعرها سوى العقول الكبيرة والروح التواقة للجمال، لا علاقة بالمزاج والعاطفة عندما تختار نشيدا وطنيا للبلد، أعرف أني أنفخ في وطن مثقوب لكني وللتاريخ، أرفض ان تتحول أغنية بسيطة تغنى في المنافي الى هوية وطن!
واضاف: من ناحية فنية، ولا اريد الدخول في المزايدات السياسية، اقول إن كلمات اغنية (سلام عليك) المقترحة كنشيد وطني في بعض كلماتها، تعكس احباطات الماضي والحاضر وليس فيها تطلع الى المستقبل.
وتابع: كيف نسوغ ان طفلا في المدرسة سيردد بعد سنوات او سنين كلمات عن بلده تقول: (أصلي لأجلك في كل حين، وامسح عنك هموم السنين، لماذا اراك حبيبى حزين، ويعصر قلبك هذا الألم)، اما اذا حذفنا هذا المقطع فستظل كلمات القصيدة لا ترتقي، على رغم جماليتها الى ما كتبه شعراء آخرون كبار مثل الجواهري، كما ان التساؤل يظل قائما لماذا حُذفت حتى في حال حذفها؟.
وأوضح: موسيقيا اللحن مشابه في مستهله للسلام الجمهوري في عهد عبد الكريم قاسم وهو من القالب اللحني الذي اسمه المارش وملحنه ليس عراقيا. وبحسب الباحث الموسيقي صميم الشريف في كتابه «الاغنية العربية»، فان المصريين واللبنانيين وخصوصا الاخوان فليفل ووديع صبرا ملحن النشيد الوطني اللبناني هم من برعوا في قالب المارش اللحني، ولم يذكر للعراقيين انجازات في هذا المجال.
وختم بالقول: اعتقد أن كثيرين يوافقون ان يكون الفنان كاظم الساهر ملحنا للنشيد الوطني ولكنهم لا يحبذون هذه القصيدة ولا هذا اللحن الذي اسمه «سلام عليك».
فيما قال الشاعر حسين القاصد: أية مسخرة وأي نشيد تريدونه للعراق من شاعر لا يقرأ ولا يكتب ومن مطرب لم يجتهد في اللحن سوى ترديد موسيقا البحر المتقارب بطريقة (محفوظات الأطفال)؟
واضاف: إن عراق الشعر يستحق نشيدا بحجم ابداعه وعذاباته، لا بحجم مراهقة كتاب الخواطر واستسهال اللحن، خذوا (الساهر) مطربا لحفلاتكم وخذوا كاتب طقوقة (عراق القيم)، ولكم أن تختاروا بين (مقصورة الجواهري) او (الشمس اجمل في بلادي .. للسياب) أو تتركوا الأمر لأصحابه.
وتابع: لن نسمح بنشيد يخضع لمزاجية نواب السهو، كفاكم عبثا بالعراق وامنعوا عبثكم من أن يطول هوية العراق الثقافية، لأنكم اذا اخترتم طقطوقة الساهر فسنطالب بالتصويت بين طقوقة (عراق القيم) وبين إحداهن (طالعة من بيت ابوها) وما زال البحث عنها جاريا، والتحقيق مستمرا مع شخص حلو وزعلان فات وما سلم على ناظم الغزالي!
وقال الشاعر عمر السراي: أتخيّلُ أن النشيد الوطني للعراق، سيكون أغنية (عراق القيم)، فأغوص في خجلي من لحنٍ منسوب لغير صاحبه، فقد سرق كاظم الساهر اللحن من (لويس زنبقة) من دون إشارة، وأغوص خجلاً أكثر من صفي الدين الحلي، والرصافي والزهاوي، والعمري، والنجفي، والجواهري، والسيّاب، لأننا فرّطنا بهم لنعتمد (طقطوطة) لشاعر بسيط لا يمثّل اسماً شعرياً في تاريخ الأدب العراقي نشيداً وطنياً لنا.
واضاف: كم تطول القائمة، وكم نخجل لأننا هجرنا كل القامات الشعرية العراقية؟، واتجهنا لغيرها شعراء لنشيدنا الذي لن يكون وطنياً إلا بهم. لقد اختار اتحادنا، اتحاد الجواهري، القصيدة الخالدة لأبي فرات: (سلامٌ على هضبات العراق، وشطّيه والجرف والمنحنى) نشيداً وطنياً، وانتظرنا أن يكلّف ملحن كفء بتلحينها، لتُعتمد، ونرددها كل اصطفاف، وكل صباح ومساء مطرّزين بالشموخ، وفي حال إصرار أية جهة على اعتماد سوى ذلك من قصائد، سنكون مضطرين للقراع الأدبي الباشط.
وختم بالقول: أيها النوّاب.. لقد ضيّعتم الوطن بحسن أدائكم والحمد لله! فحذارِ حذارِ من أن تضيّعوا نشيده أيضاً.



