أحزابنا وضبابية الإختيارات والخيارات..!
تُعدُّ الأحزاب مدرسة للتنشئة السياسية؛ وجهازاً للعمل السياسي، وخزاناً يَمُدُّ الدولة بالأطر البشرية، والمرتكزات النظرية والفكرية؛ الكفيلة بالإرتقاء بالشأن العام إلى مراتب متقدمة.
كلما إعترى الأحزابَ سلبياتٌ؛ كالقصور في الرؤية، وعدم الوضوح في الخيارات، انعكس ذلك سلبا على أداء ومردودية أجهزة صناعة القرار.
بعد التحول السياسي الكبير الذي شهده العراق منذ 2003، أصبح للأحزاب الدور المحوري؛ في الوضع السياسي القائم، الذي أخذ إسم العملية السياسية، الأمر الذي يحتم على الأحزاب؛ أن تكون في مستوى تطلعات العراقيين، تنظيماً وتأطيراً وممارسة.
يرتبط نجاح الانتقال الديمقراطي، بوضوح الرؤية والتصورات، وآليات وإجراءات التنفيذ، وأن تحصل قطيعة فعلية؛ مع الممارسات التي ظلت طاغية، في عهود التفرد والديكتاتورية والشمولية، وأن يأخذ خط الإصلاح والتنمية والتطور، مسارا تصاعديا يسمح بتكوين تراكمات ومكتسبات، لا يمكن أن تعرف الانتكاسات والتراجعات.
الانتقال الديمقراطي؛ يعدّ مشروعاً للانتقال بالإنسان والمؤسسات، من وضع متدنٍ إلى وضع أرقى منه، وأن يتحوّل الى مشروع اجتماعي نهضوي متكامل، والعمل السياسي الحزبي يجب أن يكون مشروعاً مجتمعياً؛ وبوصلةً تَرْشُدُ خطط العمل ومجالات النشاط والتوجهات، والتي تحدّد كذلك الأهداف، وبدون وجود مثل هذا التوجّه والتصميم، تبدو تفاصيل العمل الحزبي، مجرد مشاريع جزئية متقطعة ودون خط رابط,
إن الطابع المتردد؛ والإجراءات السياسية غير مكتملة الجوانب، وضبابية الاختيارات والخيارات، وإضطراب الأهداف، كانت الصفات المشتركة للعمل السياسي الحزبي في العراق، وكانت أيضا عوامل خلقت مناخاً «ميّع»؛ صدقية ومصداقية الحديث عن المشروع المجتمعي الخلاق، والذي يفترض أن يؤدي بالنسبة للأحزاب والقوى الإسلامية، في نهاية المطاف،الى دولة الهدف، أي دولة العدل الألهي.
الحقيقة أن أحد أسباب إضطراب المشهد السياسي العراقي بشكل عام، هو إضطراب الرؤية لدى القيادات السياسية العراقية، ونزوعها المكثف نحو العمل السياسي التكتيكي، دون التركيز على الأهداف الإستراتيجية، وتحوّل إضطراب الرؤية السياسية الى مرض وبيل أصاب جميع الأحزاب العراقية، وبضمنها الأحزاب ذات التاريخ الجهادي العريق، التي كنا نتصور أن عمقها الجهادي وأرث دماء الشهداء، سيكون بمثابة مصل التطعيم ضد الأمراض السياسية السارية.
لكن يبدو أن الإنغماس بالعمل التنفيذي والحكومي، أدى الى أن تنتقل عن طريقهم أمراض الجهاز الحكومي الى الأحزاب الإسلامية، بدلا من أن يقوموا هم؛ بنقل الروح الجهادية والنفس الثوري التضحوي الى الجهاز الحكومي.
صحيح أن الوظيفة الأساسية للحزب السياسي، هي السعي لممارسة السلطة أو الاحتفاظ بها، وأن الممارسة سياسية تعني البحث دائماً عن السلطة أو طموحاً إليها، وأن السعي لممارسة السلطة محور كل نشاط حزبي.
الحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها كإسلاميين، وأن يشكل هذا الإعتراف منطلقا لإصلاح، هي أننا ربحنا مناصب تنفيذية حكومية ومسؤوليات في الدولة، ولكننا أضعنا هدفنا، ليس بسبب إضطراب الرؤية السياسية، بل بسبب أننا لم نقدّم الى الدولة، من كان يجب أن نكون متأكدين؛ من حصانتهم الفكرية والسياسية، ومن قدرتهم على مقاومة إغراءات السلطة، بكل إغراءاتها وبهرجها وإمتيازاتها.
كلام قبل السلام: مشكلة نظامنا السياسي أنه ديمقراطي، لكن ديمقراطيته من النوع النتن..!
سلام..
قاسم العجرش



