النسخة الرقميةثقافية

رامبو الصعلوك

في تاريخ الشعر العربي والغربي كثير من الصعاليك، ولكنهم ليسوا كرامبو، أو لم يُدوَن لهم التاريخ حياةً تجعلهم في قمة الهرم كما هو حال رامبو.رامبو المُراهق الصغير شاعر كبير. رفض تقييد أمه له وتربيتها له وفق نزوعها الديني (الكاثوليكي) الصارم. كتب الشعر بلغة مُفارقة للمألوف القيمي السائد، فقد وُصفت أشعاره الأولى بالبذيئة. شغوف بالسكرُ والعبث في الحياة وكتابة الشعر، يا لشدة «صلافته»، لم يرضَ عن كبار الشعراء!مات بعد رحلة مُعاناة مع المرض، بعد أن ودَع الشعر واختار الجُندية ومن ثم آثر الترحال والتجارة، وفي كتابه «فصل في الجحيم» بعد رحلة التشرد التي عاشها يُظهر رامبو ميله لفكرة «الحُب الإلهي»، وعشق فكرة المسيح عن الإيمان بوصفه مرادفٌ للاطمئنان «أن الإيمان يُطمئن النفس، ويُهدي ويُشفي». كتب الشعر وهو ابن الخامسة عشرة، وودع الشعر وهو في العشرين سنة.عجيب أمر هذا الشاب! إنه موهبة شعرية قلَ نظيرها. أثَر في كل من قرأ له شعراً، فصار أنموذجاً للشعراء الصعاليك المُشردين أو المُتشردين في العصر الحديث. لقَبه (فيكتور هيجو) بأنه «طفل شكسبير».الحُرية مقصده ومُبتغاه، فكانت سبيله لصناعة «أنا» مُغايرة اتخذها الكثيرون من الذين هاموا بشعره وشخصيته مثالاً يُحتذى في إبداعاتها وتمردها!
في تشرين الأول من عام 1891 ذراع رامبو اليُمنى تتصلب. الذراع اليُسرى تُشل. الفُخذ الأيسر بارد، مُرتعش، والألم فيه فظيع، وفي العاشر من تشرين الثاني من السنة ذاتها رامبو يودَع الحياة.
كان رامبو يقتات من بقايا القُمامة، وينام في مراكب نقل البضاعة.
ظل رامبو اسماً كبيراً في فضاء الأدب الفرنسي بكل إبداعه الذي صوَره النُقاد بوصفه «شقيق البؤساء» ونصيرهم، فهو قريب من الشحاذين والمُوبقين بكل الخطايا ومن الذين يعيشون على هوامش التاريخ. ولكنه شكل مركزاً جديداً يُزيل الهامش ليصنع متنه هو بنزعته المؤنسنة جداً.
الاطُهر فيه من حيث السلوك المعهود عُرفاً، ولكن طُهره من نوع آخر فيه قلب لقيمنا ـ بلغة نيتشة ـ المعهودة، ولكنه يصنع لغته الخاصة بعيداً عن توهمات نيتشه في الدفاع عن «الإنسان الأرقى» لأن في شعر رامبو دفاعاً عن «الإنسان الأدنى». بوصفه الإنسان المُنتهكة حُرمته من أولئك البشر الذين لا حول لهم ولا قوة.
لم يكن رامبو مُتديناً، وكانت شقيقتاه تُعانيان حُزناً من عادات أخيهن.. كما أنهن كُنَ يشعرنَ بالهّوان من أقواله ضد الدين».
لم يكن مسيحياً مؤمناً خانعاً، ولكنه في الوقت نفسه لم يرتضِ لنفسه سوى أن يكون بصحبة طبقة الضعفاء من الذين كانوا وسيلة الأديان وغايتها كي يكون لها كوّن ومقبولية لوجودها في بناء حياة أفضل تكمن في تبنيها للدفاع عنهم.لم يرضَ رامبو يوماً عن الوجود، ولم يترنم بنجاحاته هو التي يُبلغه بها أصحابه، لأنه يهيم في مُضمرات الوجود لا في الوجود المحسوس نفسه، لأنه وجود عيني مليء بالتعاسة والألم.طفولته الغالبة وعفويته جعلته يرى في الوجود العيني ما هو خفيٌ عن أنظار البُسطاء، ففي قصيدته «العذراء المجنونة» يتكلم عن ما بعد الوجود ليكون صوتَ مَن لا صوت لهم من الفقراء البؤساء العُمال والمومسات والشحاذين.«كان يحس أنه شقيق البؤساء» يحلم ببناء مجتمع ديمقراطي سواء بالسعي الثوري أم بفاعلية الفن وتنوعاته الثقافية.
كان لبودلير تأثيره الأثير في شعر رامبو وتوجهاته الفكرية، ولكن لفرلين الشاعر الفرنسي أثره الواضح في كتابات وحياة شاعرنا رامبو، فقد عاشا قصة (حُب وحشي) انتهت للقتل بعد أن أطلق فيرلين رصاصتين من مُسدسه على رامبو، احداهما استقرت في معصم رامبو والأخرى في الأرض. ظهر تأثير (فرلين) على كتابات رامبو الشعرية في ديوانه «الأبيات الأخيرة» عام 2862.لقد سجل بطريقة شعرية نزوعه للتمرد وحياة التشرد اللا مسؤولة في ديوانه (أشعار)، وأبان فيه عن كُرهه لأمه المُتزمتة.
في ديوانه «إشراقات» الذي كتبه بين عامي 1873 و1875، أبان عن قُدرته المُميزة في كتابة قصيدة النثر.
لن أختار نصوصاً من شعره الأثير، ولكنني أدعوك سيدي لقراءة شعره في أعماله الشعرية الكاملة، أو قراءة بعض من مُختارت أشعاره من كتاب: رامبو: حياته وشعره، ترجمة: خليل الخوري، مطبعة الشعب ببغداد، ط1، 1978، وهو مصدرنا الأساس في كتابة هذا المقال.

د. علي المرهج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى