اخر الأخبار

( Recycle Bin) ذاكرة العراقيين !

أحرص حد الإدمان، على قراءة صفحات الثقافة في الصحف والمجلات العراقية، وأمضي مبحرا فيها، محاولا في كل مرة من خلالها، إكتشاف مقدار النمو المعرفي لدى مثقفينا، كتابا وشعراء ومسرحيين وباقي فروع المعرفة.
الحقيقة أن هذا الولع مرتبط بإعتقادي المبرم؛ أنه كلما نمت معرفة المثقفين في شعب، إزدادت أعمدة النور في شوارع الحقيقة في أرجاء وطن ذلك الشعب.
بين طيات القراءة اليومية تتردد بشكل دائم، تعابير تصدر عن المثقفين أنفسهم، تتحدث عن أن ثمة أزمة ثقافة عراقية، وأن الثقافة بحاجة الى إعادة توصيف وتجديد، وأن دور المثقف الحضاري في تراجع، بسبب ضغط الظروف والصروف، وبسبب عدم إيمان الطبقة السياسية والدولة، بدور الثقافة في بناء الوطن ومستقبله، وأجد أن هذه الكتابات تعكس خوفا مشروعا، وحرصا على الثقافة والمعرفة، لا سيما أنها تصدر عن أهل الثقافة أنفسهم.
غير أن أغلب تلك الانتقادات، لم تلحظ أن الثقافة؛ انما هي تعبير عن واقع مرحلتها، ونتذكر جميعا كيف أن مرحلة الطغيان البعثي، كانت قد وضعت الثقافة العراقية بخدمة أهدافها، ونتذكر أيضا نماذج من ثقافة تلك الأيام المليئة بقيح الإستبداد، إذ خَلَّفَ سادةُ الثقافةِ أيامئذ، أرثاً كبيراً من التمجيد والتغني والتسويق، للفظائع التي إرتكبها النظام الصدامي.
في ذات الوقت أيضا، كانت ثقافة أخرى تعبّر عن نفسها؛ خفية وبأشكال شتى، وتلك كانت ثقافة الخوف، لكن ثقافتنا ومنذ نيسان 2003، بدأت بعملية شاقة لنزع الجلود السابقة، وإرتداء جلود المرحلة الجديدة، وبتنا نشهد إنحسار ثقافة الطغيان، فيما تقدمت ثقافة التحرر بديلة عنها.
إذا كنا نتحدث عن أزمة؛ فهي ليست أزمة الثقافة ذاتها، بل هي أزمة المنخرط بحقلها؛ أي المثقف الذي يريد الحصول بلا مشقة على هوية المرحلة الجديدة، مع احتفاظه بإرثه الذي حمله من المرحلة السابقة، محاولا بعناد إيجاد تفسير مقنع لذلك الأرث، وهو لعب بالعقول ليس في محله.
مثل هكذا مثقف سيقع في أزمة مستمرة، وستكون نتيجة مسعاه إسقاط أزمته الذاتية على المشهد الثقافي..
قرابة عقد ونصف من الزمان قد مضى من عمر التغيير، ومشهد الثقافة المتحررة يتشكل بسرعة وإضطراد، وفي نهاية المطاف سيكون هناك تراكم معرفي وثقافي، يركل أطروحة أزمة الثقافة العراقية، الذين ما يزالون متمسكين بقيح الماضي الذي أنتجوه، وأصحابها خارج حلبة المسمى الثقافي..
كلام قبل السلام: الثقافة البعثية ماتت، وتمَّ تشييع جنائز حملة مجامرها ومباخرها الى مثاويهم، في ( Recycle Bin) ذاكرة العراقيين والى الأبد!
سلام..

قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى