النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

59

السَماوي يحيى وجد نفسه ثانيةً بعيداً عَنْ تدريسِ طلبته أعلام الشعراء العرب كالمتنبي وَالبحتري وَامرئ القيس وَأبي تمام وَالنابغة الذبياني وَالمعري وَابن الرومي وَغيرهم، بعد أنْ أنيطت به مهمة لا تمُت إلى المؤهلِ العلمي فِي مجالِ اختصاصه أو نشاطاته المَعْرِفية وَاهتماماته الأدبية بأيِّ صلة؛ إذ أجبر عَلَى العملِ فِي عزلِ الرسائل وَرزمها فِي أكياسٍ قبل أنْ يبعثها بنفسِه ـ وَأحياناً سائق الدائرة أو عامل الخدمة الَّذِي يشار إليه محلياً باسْمِ الفرّاش ـ ليلاً إلى محطةِ القطار مِنْ أجلِ إرسالها إلى المدنِ الأخرى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ السَماويَ لَمْ يستقر بِه الحال هكذا طويلاً؛ إذ سرعان مَا أصبح مكبلاً بقيودِ العزلة القسرية عندما جرى نقله إلى وظيفةِ «أمين مخزن القرطاسية»، وَالَّتِي يقتصر واجبه فِيها عَلَى تجهيزِ مكتب البريد بالورقِ وَأقلام الحبر الجاف وَبقية القرطاسية، حيث كانت معاناته حملاً ينوء بِه ظهره؛ لأَنَّ ذلك المخزن لَمْ يكن إلا غرفةٍ ضيقة معزولة مِنْ أجلِ عزله عَنْ بقيةِ الموظفين وَالموظفات. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ لقسوةَ تلك الأيام وقعاً فِي ذاتِ السَماوي، فقد كان هناك مِن المواقفِ مَا اخترق جدران عذاباتها بلمسةِ جمالٍ إنسانيَّة تعكس الأمل وَتدفع للتسامحِ والتكافل وَالمودة الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي زرعِ الثقة بقلوبِ الآخرين، وَرُبَّما القدرة عَلَى التأثيرِ فِي إعادةِ النظر بالحياة وَتغيير بعض المفاهيم، وَلا أدلَّ على ذلك مِمَا جعل إحدى زميلاته فِي دائرةِ البريد تضمين محتويات حقيبتها اليدوية «أبره وَخيط وَأزرار»؛ لأجلِ إصلاح ملابسِه الممزقة بفعلِ مَا يتعرض لَهُ مِنْ ضربٍ وَركلات وَغيرهَا خلال حفلات الاستجواب شبه الشهرية فِي دائرةِ أمن البلدة، فضلاً عَنْ تمكنه مِنْ كسبِ وَد الموظفين وَالعمال هناك؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ العزلةِ الَّتِي فرضت عَليه، فإنَّ بعضَهم اصبح متعاطفاً مَعَ الحزبِ الشيوعي، فكان السَماوي يبيعهم خلسة جريدة «طريق الشعب» وَمجلة «الثقافة الجديدة»، مَعَ العرضِ أَنَّه كان شديد الحذر فِي التعاملِ مَعَ الآخرين؛ لِعلمه بوضعِه تحت مراقبة أجهزة أمن النظام وَعسسه. وَضمن هَذَا الإطار للسَماوي يحيى قول جميل نصه: « نحن ـ الصعاليك ـ مثل نبات الأثل، نزداد انتشاراً وَتوغّلاً فِي الأرضِ كلما حاولتْ مناجل الجبابرة اجتثاثنا».
الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي
والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ
جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ ـ فـي عـيـنـيَّ ـ والـنـجـومْ
وهـأنـا: مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ
وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ
لا بُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ
خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو ـ ولـكـنْ تـسـكـرُ الـكـأسُ ـ
وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ
عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي
وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي ..
فـهـل أنـا «ثـمـودُ»؟ أمْ «سـدومْ»؟
إذا كان بمقدوري استعارة المعنى مِنْ بيتٍ شعري لأبي الطيب المتنبي نظمه قبل أكثر مِنْ ألفِ عامٍ عند خروجه مِنْ مصر عَلَى أيدي جماعة مِنْ قطاعِ الطرق كان قد هجا كبيرهم بقولِه: «وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ.. وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا»، فإنَّ مِنْ المضحكاتِ المبكيات الَّتِي يمكن أنْ تُساهم فِي رسمِ صورة للواقعِ العراقي أيام النظام السابق هو أنْ يغادرَ السَماوي يحيى مربي الأجيال – قسراً أيضاً – وظيفته الَّتِي كان يعاني فِيها العزلة وَيجبر لتأديةِ خدمةِ «الإحتياط» فِي محرقةِ حرب الخليج الأولى، فِي زمنٍ كان يُعفى فِيه المدرس مِنْ هذه الخدمة، حيث كان أقرانه مِن المدرسينِ وَالمعلمين يعيشون بعيداً عَنْ جبهاتِ الموت وَخنادقها بفضلِ قرارِ النظام استثناء المدرسينَ مِنْ مواليد عام (1949) مِنْ أداءِ الخدمة العسكرية كجنود احتياط، فكان أنْ سيقَ إلى مطحنةِ القادسية ليبقى ثماني سنين؛ بالنظرِ لزوالِ العذر الرسمي الَّذِي يوجب أنْ يكون المستثنى منتظماً فِي قِطاعِ التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، والمتأتي مِنْ رفضِه خيانة مبادئه وَالانتماء لحزبِ البعث.
لأنَّ عـيـنـيـكِ عـمـيـقـتـانِ عُـمْـقَ الـكـاسْ:
صـرتُ «أبـا نـؤاسْ»!
ـ ـ
لأنَّ عـيـنـيـكِ حـديـقـتـايَ فـي الـيـقـظـةِ
و»الـبُـراقُ» إنْ أسـرى بـيَ الـعـشـقُ إلـى جـنـائِـنِ الأحـلامْ:
صـرتُ نـديـمَ الـوردِ والـطـيـورِ
والـسّـادِنَ فـي مِـحـرابِ شــيـخـي «عُـمَـرِ الخَـيّـامْ»
ـ ـ
لأنَّ عـيـنـيـكِ بُحَـيْـرَتـانِ من ضـوءٍ تـشـعّـان بـكـلِّ الـفـصولْ:
صارَ فـمي مِـئـْذنـةً تـُمَـجِّـدُ الـسّــنـبـلَ في الحـقـولْ
ـ ـ
ليس خافياً أنَّ ركونَ السلطة إلى قرارٍ «أسطوري» يقضي بتحويلِ تَرْبَوِيٍّ حاذق – يعتمد نظم الشعر لغة مَعَ البِيئَة الَّتِي يعيش فِيها وَيتواصل بِه مَعَ البَشَريَّة – إلى رزامِ رسائل، يعكس مِنْ دُونِ أدنى شك أنَّ متخذه لَمْ ينل الحد الأدنى مَن الأهلية، وقد زُجَ فِي أروقةِ إدارةٍ مهمة لا يفقه فيها شيئًا. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم، وَنحن فِي رحابِ استعراض بعض ذكريات تلك الأيام الإشارة هُنَا إلى أنّ تقدمَ الأمَم وَالشعوب يعود إلى طبيعةِ معطيات الإدارة المعتمدة فِيها، حيث أَنَّ بوسع الإدارة العِلْميَّة إنجاح المُنَظَّمَات داخل المُجْتَمَع؛ نتيجة مقدرة آلياتها عَلَى اِسْتِغلالِ المَوَارد البَشَريَّة وَالمادِّيَّة بفاعليةٍ وَكَفاءَة عالية.
وَمصداقاً عَلَى مَا تقدم يمكن الاستشهاد بكثيرٍ مِن الدولِ الَّتِي تمتلك المَوَارد المَالِيَّة وَالبَشَريَّة، لكنها مَا تزال منضوية تحت خيمة الدول المتخلفة بسببِ النقص فِي خبراتِها الإدارية. يُضافُ إلى ذلك أنَّ نجاحَ خطة التَّنْمِيَة الاقْتِصَادِيَة وَالاجْتِماعِيَّة، وَتحقيقها لأهدافها يتوقف عَلَى حُسنِ استخدام مَا مُتاح مِن المواردِ المادِّيَّة وَالبَشَريَّة.
لأنّ عـيـنـيـكِ وديعـتانِ كـالأطـفـالِ فـي مـديـنـتـي ..
تـُضاحِـكانِ الـنـخـلَ فـي الـبـسـتـانِ والـنـجـومَ فـي الـسـمـاءْ :
صرتُ مـيـاهـاً فـابْعـثـيـني للعـطـاشى مـاءْ
ـ ـ
لأن عـيـنـيـكِ تـُحِـبّانِ الـسّـنا
وتـكـرهـانِ الـدمَ والـخـنـجـرَ والـبـارودَ والـظـلامْ :
غـنّـيـتُ لـلـعـشـقِ وللأطـفـالِ والـسّـلامْ
ـ ـ
لأنـنـي ابـتـدأتُ مـنـكِ رِحـلـةَ الـمـعـراجْ:
دعـوتُ أنْ يُـورِثَـنـي مـصـيـرَهُ «الـحلاّج»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى