جمعية الثقافة للجميع تضيف الروائي عدنان القره غولي

المراقب العراقي/ أمل كاظم الطائي
حلّق بنا بعيداً نورسه ليحطَّ عند الضفاف السعيدة إذ تراءت له صور من أحلام عليل علّه يصل الى وكر اللذة التي نسجها العنكبوت، هذه هي مجاميعه القصصية وروايته الأكثر ألقاً التي أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط الأدبية والثقافية ولاقت رواجاً جميلاً من لدى المثقفين والنقاد على حد سواء، انه القاص والروائي الأستاذ «عدنان يعقوب القره غولي» التي احتفت به جمعية الثقافة للجميع يوم الأربعاء الماضي بحضور بهي ونخبوي، ومشاركة كل من النقاد إسماعيل إبراهيم عبد ويوسف عبود جويعد وشيخ المترجمين عبد الصاحب البطيحي، أدار الجلسة الشاعر جاسم العلي.
اُفتتحت الجلسة بالمرورعلى السيرة الذاتية للمحتفى به، وهي سيرة عطرة مليئة بكل ما هو جميل للدكتورعدنان القره غولي، والوقوف على أهم مراحل حياته من عطائه الأدبي والثقافي وإلقاء الضوء على صيرورته كقاص وروائي.
تحدث فيها الروائي الدكتورعدنان عن بداياته الأدبية كونه وُلِدَ في بيت ثقافة وفن فوالده كان يعمل في المجال المسرحي وذلك انعكس بوضوح على انتماءاته الثقافية التي تبلورت عبر الزمن ليكون قاصاً وروائياً، وانه ومنذ نعومة أظفاره بدأ الكتابة في المرحلة الإبتدائية وتأثر بإصدارات مجلتي وبدأ بإصدار مجلة خاصة به يوزعها للتلاميذ، ومحاولات أخرى في المرحلة المتوسطة وله مشاركات شعرية في الثانوية والجامعة التي شكلت مرحلة نضج عطائه القصصي، لقد برع الروائي بتصوير القصة القصيرة بالأغنية التي تأتي كما يأتي الاحساس للشاعر فبعضها تاتي من خلال مشاهدة يومية عابرة لتبلور قصة او تاتي من حوار بين شخصين او تاتي من حدث، اما الرواية فتحتاج الى اكثر من صورة لشخوصها ومعاناتهم وعلاقاتهم وسبرغور نفوسهم والقاء الضوء على وضعهم النفسي والاجتماعي لمدة زمنية حقيقية لمكان ما وبالتالي فالقارئ يعيش في قلب الحدث وكأن شخوص الرواية جزء من حياته لتلك المدة، وأضاف من المهم جدا سبك الحبكة الدرامية ليكون جل العمل في أبهى صوره ويشد القارئ اليه ليقرأ وهو متشوق لمعرفة الأحداث ونهاية الرواية. شاركنا الأساتذة النقاد بأوراقهم النقدية التحليلية التي ألقت الضوء على أعمال الدكتور عدنان وتحليلها والوقوف عند مفردات أسلوبه القصصي والروائي، فكانت الورقة الأولى للناقد إسماعيل إبراهيم عبد، إذ وصف المنظومة القصصية للروائي بأنها حلقية تبدأ باولى وتنتهي بأخرى فتكون متماسكة الحلقات في الأحداث التي تطابق تاريخ الحقبة الزمنية لأحداث الرواية، ويستخدم الثيمات بشكل جميل ومتناسق ويوظّفها لخدمة الحبكة الدرامية فالأولى تخصُّ الاستهلاك والثانية تخص البيئة وله خصوصية في معالجة الزمن فهو يعطله تارة ويعيده الى الماضي ثم يستخلص روحية الحياة ليبرهن لنا ان التحكم بالزمن مهم، واضاف ان طريقة بنائه للرواية تتم عبر مراحل وخطوات مدروسة بدقة حيث يختار الأبطال اولا ثم الأحداث ومداخلاتها يعقب ذلك ترابط الأحداث مع الواقع الاجتماعي لتلك المدة الزمنية وتواتر احداثها السردية على لسان نائب الراوي وليس الراوي وذلك ويجعلك منشداً لإكمال الحدث الذي يلحقه بآخر فتكون مشدودا للرواية ومعرفة المزيد من مستقبل الاحداث فلا تستطيع التوقف عن التهام الاسطر لحين اتمامها لوجود عناصر التشويق والمفاجآت، او كما قال الناقد انه يوقع القارئ بالفخ لأنه لا يستطيع التكهن بما سيحصل لاحقا فعنصر المفاجأة موجود ومتواتر.
كانت المداخلة النقدية الثانية للناقد يوسف عبود جويعد الذي حلل لنا اسلوب الروائي في عمله والقى الضوء على بعض قصصه وخصوصا روايته «الضفاف السعيدة» فقد ابدع بحق في هذا الجانب خصوصا وهو يحلل شخصية دجلة تلك الفتاة التي عاشت مع ما ورثته من الحياة والقصائد التي قامت بترجمتها وعاشت في مداراتها عقليا وروحيا وبقيت متعلقة بهذه الامتدادات وأبت ان تخرج من هذا الزمن جعلها ذلك تعيش كابوساً حقيقياً كبيراً لرفضها واقع الحياة الجديدة، وذلك حدا بها حد التوجه الى طبيب نفساني للعلاج، يريك الراوي واقع الحياة المزدوجة للبطلة التي تعيش حالة التشبث بماضيها من جهة ومن واقعها المر من جهة اخرى، انها رؤية فلسفية صاغها الروائي بحبكة درامية رائعة يجعل المتلقي مشدوداً تماما ويحبس انفاسه لمعرفة ما سيحصل لاحقا، ويلقي الضوء على نهاية القصة حيث تكتشف دجلة انها تعرضت لدمار نفسي من شان الضغوط التي مورست عليها من ثلاث نواحٍ وهي: رفضها لعيشها الواقع الجديد وتمسكها بالماضي والظروف المحيطة بها والتي تلقي بظلالها الثقيلة على الجميع.
لقد أبدع الاستاذ يوسف بحق بتحليل الشخصية ومعاناتها اللا محدودة ووصولها اخيرا الى بر الأمان بعد ان ادركت الازدواجية الداخلية التي تعيشها بشكل يشبه الذهان بين الحلم والواقع المرير الذي جعلها تحلق وتتوق للماضي للهروب من الواقع المرير الذي حولها.
كان للمداخلات دور جميل في التفاعل مع المحتفى به فقد اغنت مداخلات الجمهور الجلسة واثرتها بالمعلومات التي اجاد بها الروائي الدكتورعدنان وكانت المداخلة الاولى للاستاذ علاء الذي تمحور سؤاله حول مساهمة الراوي في كتابة رواية لواقع العراق التاريخي والاجتماعي.
اجابه الروائي المبدع عدنان ان احداث رواية الضفاف تصف فعلا واقع المجتمع العراقي ابان تسعينيات القرن الماض حيث القى الحصار الاقتصادي ظلاله الثقيلة على المجتمع وجعل الناس يهجرون الكتب والثقافة والفن والموسيقا وكل ما هو جميل لانشغالهم في توفير لقمة العيش، وتصف ايضا الواقع السياسي لتلك المدة وصف دقيق لمعاناة الشعب برمته متمثلا بشخصية دجلة التي وصلت حد الجنون والانهيار النفسي من هول اعباء تلك المدة العصيبة.
اما المداخلة الثانية فكانت للاستاذ منذر البدري حيث سأل: كيف استطعت اقناع المتلقي بحقيقية الشخصيات الموجودة في الرواية ومطابقاتها لتلك المدة؟
فرد الاستاذ الدكتورعدنان بانه استطاع ذلك من خلال توظيف اسماء للاماكن والشخصيات هي فعلا موجودة في تلك المدة مثل اسم مدرسة الموسيقا والباليه واسم المدرسة التي كانت تدرس فعلا هناك واماكن اخرى ارتادها بنفسه وجلس فيها وكوّن صورة كاملة عنها وربط الحدث بالمكان بوجود شخوص الرواية.المداخلة الثالثة كانت للد. عبد جاسم الساعدي رئيس جمعية الثقافة للجميع حيث بادر بسؤال الاستاذ عدنان عن سبب قلة ظهوره وانتاجه الروائي؟ فاجاب الاستاذ عدنان انه لا يريد انتاجاً كمياً على حساب النوع من جهة ومن جهة اخرى قال انه قليل الظهور فعلا ولكن له جمهوره عبر شبكات التواصل الالكتروني وقد اختيرت روايته «الضفاف السعيدة» ضمن افضل خمسين كتابا من قبل موقع الامازون ،ان نسبة توزيع روايته بالسعودية كبير جدا وكذلك في الامارات وانه معروف عربيا ودوليا اكثر مما هو معروف في العراق، واضاف الروائي عدنان انه تاثر بمجموعة من الادباء والروائيين منهم ارنست همنغواي وجيخوف وديستوفسكي واستفاد من مقولة همنغواي «القصة تكتب في وقتها « و « اكتب القصة وتخلص من كل شيء زائد».كانت المداخلة الاخيرة حول واقع الرواية العراقية اليوم، فقال الروائي عدنان إن الرواية في العراق مرت بمراحل كثيرة ففي خمسينيات القرن الماضي اتسمت بالعفوية ثم تادلجت في السبعينيات وكانت قصص وروايات الحرب في الثمانينيات وفي التسعينات كانت هناك ملامح كبيرة تشير الى واقع الحصار وكان السرد القصصي والروائي يخاطب الاحساس والمشاعر بشكل واضح وكبير لافتقاد المجتمع لذلك وانشغاله بتحصيل لقمة العيش التي صارت مهمة شاقة وعقيمة آنذاك، واضاف يوجد اليوم الكثيرمن الروايات العراقية التي يشار اليها بالبنان واستطاعت كسر الحواجز والوصول الى دول وقارات لوجود شبكات التواصل الاجتماعي التي اختزلت حواجز الحدود والزمن.
كان مسك ختام الجلسة للمترجم الاكثر ابداعا الاستاذ عبد الصاحب البطيحي فقال «قلما تجد كاتباً تنسجم كتابته مع سلوكه اليومي وذلك تجده جليا في شخص الاستاذ عدنان» ، واشار الى غزارة انتاج الروائي عدنان على قلته لأنه فهو غزير بمكنونات الرواية واحداثها، وانه يؤمن بالنوع لا بالكم واشار الى شعراء خلدهم ديوان واحد او رواية واحدة كما حصل مع رواية «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل، واضاف الاستاذ البطيحي ان نصوص الروائي عدنان حية وهي حصيلة امرين الاسلوب والفكر المبني على الكلمة والعاطفة والشعور وكتاباته واضحة وسلسة وهو متفوق باختيار شخوصه وتجسيد معاناتهم الانسانية والنفسية فهو يغوص عميقا في دواخل النفس البشرية وذلك واضح في صدى قصته صوت من الظلام التي تشي بحزن عميق للابن الذي يعاني من العمى المبكر ويجابه الصمت بصمت مطبق، ولكن في نفس الوقت متفائل بكتاباته كوننا لا نعرف ماذا سيخبي لنا القدر الذي هو سيد الاحداث دائما.
في ختام الجلسة شكر ضيفنا الكريم الروائي الرائع عدنان القره غولي جمعية الثقافة للجميع متمثلة بشخص الدكتور الساعدي ولجنتها الثقافية والحضور الكرام الذين تجشموا عناء القدوم وحضور الجلسة، وشكر الشاعر جاسم العلي الضيف وحياه على احياء هذه الجلسة الرائعة.



