النسخة الرقميةثقافية

أنا و هو

د. أحمد غريب ـ مصر

أستيقظ كل يوم مبكراً، أستيقظ و الشمس ما زالت تتثاءب، والصباح يفرك عينيه، لألحق بعملي البعيد في أحد مصانع الملابس الجاهزة، بمجرد استيقاظي أستهل اليوم بالتطلع لوجهه الطفولي البريء، تنظر إليه فترى اللا شرّ، نعم هكذا هو، قد يجمع الإنسان بين جنبيه الخير و الشر، أما هو فيكفيه ذلك الطهر المنبعث من وجهه ضوء. ما أن أنظر إليه إلا وأتذكر الصلاة، أهرع إلى لقاء الله لأدعوه وأستودعه تلك الأمانة التي أوكِلتها، يبدأ بفتح عينيه الذاهلتين، أدنو منه لأداعبه، ولا أتركه حتى أرى ضحكة فمه الخالي من الأسنان ـ كم أحب تلك الضحكة المُعدية ـ من أجل تلك الضحكة أذهب لعملي في القيظ أو الزمهرير، يجب أن أرعاه ولا أدعه محتاجا لشيءٍ، أليس لهذا خلقنا الله؟ أليس تلك سنته في خلقه وعليها نُسأَل؟
أعد له طعام الإفطار، أبدأ في إطعامه وألاحق بالملعقة فتات الطعام الهارب من جانبي فمه، يأكل بنهم كأنه مدرك أن الوجبة القادمة لن يأكلها من يدي، أغير له الحفاظ في سرعة ومهارة احترافية اكتسبتها في شهور معدودة، أعد طعام غذائه في عجالة وأرتدي ملابسي وأنا انظر له في المرآة مبتسمة ومداعبة وهو بين الابتسام لمداعبتي وبين القلق لأني أرتدي ملابسي لأهجره عدة ساعات، أخرج من باب بيتي وأقرع جرس جارتي ربة المنزل (أم الطيّب) لأوصيها وصاياي اليومية وأتأكد من وجود مفتاح الشقة معها لتستطيع الدخول للاطمئنان عليه وإطعامه طعام الغذاء، أنزل إلى الشارع لأقتنص أول حافلة للذهاب لعملي، أقف في الحافلة وأفكر في أمي الراحلة وكم كانت تشقى لنرتاح، ارتقت إلى جوار ربها منذ عام تقريبا، ولم تمرر أشهر معدودة حتى أصاب أبي ما أصابه فصار من مرض جعله كالطفل الصغير، أتركه يوميا في رعاية (أم الطيّب) حتى أعود من العمل يملأ قلبي الشوق لرؤيته والجلوس بجواره ورعايته، فبهذا كما كنا في الدنيا مجتمعين سنجتمع ـ إن شاء الله ـ مع أمي في الجنة، أمي وأنا وهو.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى