النسخة الرقميةثقافية

حِين يَدخِلُ الكاتب في غيبوبته

سَجَّاد النَّاجِــــــي

قَبلَ أَن تَصدَحَ القُبَّرَةُ بِصوتُهَا
المُترَعُ بِالحَذَر فِي حَقلِ الذَّاكرةِ
المَليء بالخَطَر..
وبَعدَ مَسكِ السَّمَاءِ وَتَوَقُّفُ الهَطل
قَطَرات المَطَر تَصرُخُ وهِي
تُمَرِّغُ نَفسها بِالتُّراب مُتَلَوِّيَةً لِشِدًّةِ
الأَلم جَرَّاء السُّقوط مِن الأَعلى
بين القَبلِ والبَعد مُتَحَيِّرَاً وَقفتُ
أُفَكِّرُ بِماذا يحدُثُ لِشخصٍ
كَاتِب فِيما لَو سَقَطَ قَلَمَهُ مِن سَمَاءِ
خَيَالَه؟!
أَو فَقَد جُنُونَهُ عَلى حَافَّة عَقله!
أَو فَقَد اللا وعي عَلى مشارف وَعيه؟!
أَو خَسِرَ هِستيريَّتُهُ الَّتِي تُلهِمُهُ للكِتابَةِ
فَيُنجِبُ أَفكاراً جَديدَةً تَفتحُ أَعيُنُها على الدُّنيا فَوق وَرقَةٍ باهِتَةٍ صَفراء قَديمة؟!
حَسَنَا..
الكاتب هو شَخصٌ مَجنون لكنَّ جِنونَهُ من نوعٍ خَاص
فَأَحيانَاً يَتَفَوَّهُ بَأَشياء غريبةً كأَن يقول:
ـ لَدَيَّ أَجنِحَةً لا تَرونَها أَنتُم، لا يُهُمُّنِي
إِن كُنت مَلَاكَاً أَبيض مُنَزَّلٌ مِن الوَاقِع الأَسود أَو كُنتُ شَيطَانَاً بُرتُقالِي اللون
تَتَصاعَدُ أَلسِنَةُ اللهبِ مِن رَأسه قَد أَتَى للدُّنيَا كُرهَاً وعَلى مَضَض فِي مُهِمَّةٍ
مُفتَعَلَةٍ لِيُغوي خَلائِقَ الرَّبِّ فَيَحيدوا عَن
صِراطِهِ المُستَقيمِ كَمَا لَا يَهُمُّنِي إِن كُنتُ
خُفَّاشَاً مُنفَلِتٌ مِن مَاضِيِّ اللزِج …
مَا يُهُمُّنِي بِحق هو امتلاكي أَجنحةً لا تَرونها …
– ذات ليلةٍ شتويَّةٍ كئيبَةٍ وَ فِي تَمام الثَّانِيةُ صَباحاً …
أَستيقظتُ مِن نومِي
فَتحتُ شُبَّاكَ غُرفَتِي
بَصقتُ فِي وَجهِ السَّمَاء ورجوتها أَن تُعِيدُ لِي بَصقَتِي مُضاعَفَةً ملايين المَرَّات
ثُمَّ أَغلقتُ الشُّبَّاك
وعُدتُ للنَّوم
فاستيقَظتُ بعدَ ربع ساعة عَلى صوت بُصاق السَّماء
لَم أَفهم وقتها… أ كانت تلعنني أَم
أَنَّهَا استجابت رجائي؟!
الكِتابَةُ ضَربٌ مِن الجُّنُون
فَما أَجمل أَن تَكونَ
مَجنُونَاً بِعقل
وعاقِلاً بِجنون
وواعيَاً في غيبوبه
وغائِبَاً عن الوَعيِّ
فِي وَعيِكَ لكنَّكَ واعٍ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى