النسخة الرقميةثقافية

إِغتراب النفس

أحمد رمضان ـ مصر

حالة من الضبابية الوجدانية تنتاب أكثر الأشخاص حسّية في عصور الحداثة وما بعد الحداثة التي تلتهم كل حسّ جمالي من حولنا، تعكس كل شيء في محيطنا من مجرد لذّات يقشعر لها البدن ، إلى مجرد روتين يعمل على ديمومة الحياة ليس إلا.يقول الكاتب التشيكي الفرنسي الشهير (ميلان كونديرا) في رائعته , كائن لا تحتمل خفّته: تذّكر أسطورة أفلاطون الشهيرة (المأدبة)، في السابق كان البشر مزدوجي الجنس فقسمهم الله إلى أنصاف تهيم عبر العالم مفتشة بعضها عن بعض. الحب هو تلك الرغبة في إيجاد النصف الآخر المفقود من أنفسنا، على فرض أن هذا صحيح، فإن كل واحد منّا يملك في مكان ما من العالم شريكاً كان يؤلّف معه فيما ما مضى جسداً واحداً.البحث عن الروح التائهة لكل شخص لا يُشبع صدره منبع من منابع الحياة، صار بالتأكيد حلماً يراود حتى من تخلل في علاقة بالمناصفة رسمية كانت أو عابرة، هنا في تفسير كونديرا ليس أن تتم الثقافة المشتركة عاملا على اكتمال النصف الآخر، ولكن العبرة الروحانية هي المكمل العلاجي لإكتمال العلاقة سواء كان أحدهم في أقصى الشرق والآخر في غربها.لقد صار الأمر مُرعباً لما نشهده الآن من تطورات خيالية للمحيط البيئوي من حولنا بل والتغييرات السلوكية والنفسية لكل شخص كان. يحكي الكاتب البولندي (زيجمونت باومان) عن ذلك الأمر المُلفت للإنتباه في كتابه (الحداثة السائلة) بضربه مثالاً لجوهر الفرد الحداثي بكتاب (جين فوندا ـ الحصن الأمامي) والتي فيه عدّت فوندا ذاتها مثالاً يحتذى به لفتيات عمر الزهور، وهذا بالتأكيد ما يمثل فلسفة حب النفس في ثوبها الحداثي . على النقيض هناك من الأشخاص ما زالوا على سجيتهم الفطرية باحثين عن روحهم الأخرى في عالم اللا مبالاة ذاك.لكن قد نجد من الفلسفة عزاءاً بشأن انكسار القلب في بحثه المستمر عن شقّه الثاني ، كما أسرد (آلان دو بوتون) في كتابه (عزاءات الفلسفة) حيث يواسينا أعظم الفلاسفة بؤساً وتشاؤماً وهو شوبنهاور بإتّباع (إرادة العيش) التي تُعرف بكونها دافعاً كامناً داخل البشر لإبقائهم أحياءاً وقادرين على التناسل في فلسفة براجماتية قد تكون مُقنعة منه، فإننا مقسومون إلى ذات واعية وذات لاواعية تسيطر الأخيرة على إرادة العيش فيربط شوبنهاور عملية التناسل بإرادة الحب عبر إرادة العيش لإنتاج ذرية جميلة، بدلاً من التحامل غير المُجدي. لعل هذا التعليل الفلسفي من شوبنهاور هو آخر الحلول المنطقية بل والواقعية في عالم اللا بقاء هذا، ولكن الأمر ذلك يتم فورانه من مقعده بالبحث عن تعويض نفسي يشبعه مما ألّم به.يولّد بطبيعة الحال هذا الأمر على تقبّل الواقع والرضا به، يَنتُج عنه حالة من البؤس والشقاء المعنوي، ولذلك عوضاً عن العيش في عالم الرومانتيكية النفسي ـ الذي رد الألمان به على تنوير الفرنسيين العقلي في القرن الثامن عشر ـ يذهب الشخص إلى حاجة سد الفراغ الذي ينتابه ليس فقط لعدم إيجاد رفيق عمره الروحي، بل للإنتصار على الواقع المريض الذي يهتم بأدق تفاصيل الحياة والتحكم بها بلا إنتباه لآدمية الكائن الذي عمّر الأرض منذ خليقته.لقد رد الدكتور مصطفى حجازي عن المتوقع من حالة عدم الإستقرار والتشاؤمية تلك، في كتابه (الإنسان المهدور) وخصوصاً أكثر الفئات حيوية وظلماً، فئة الشباب التي لا تزال تعيش مغبونة مقهورة وسط حصار سلطوي لا مثيل له، ينتج عن ذلك الهدر كما يقول حجازي، بأن يضطر الشباب إلى إيجاد الوصفة السحرية له خارج بلاده سعياً وراء حلم الخلاص من المنفى الذاتي القابع فيه، فيتحول إلى منفى آخر. وهناك من إختار الحل العقيدي لأيدولوجية دينية لا بد من تطبيقها عبر الإنخراط في الحركات الأصولية التي تقدم أمل استرداد الفردوس المفقود. كل هذه النقاط التي قدمها حجازي بل وأكثر هي نتيجة الإغتراب الذي حلّ بجانب خاص من الأشخاص الذين توهموا فيمن حولهم بالحياة النفيسة والسعيدة، بيد ذلك أصبح يعيشوا في غُلب ووهن دنيوي لا مفرّ منه طوال عيشهم على الدهر.الإغتراب النفسي الذي حلّ بنا، هو لصيق كالظل أينما حللنا وارتحلنا، غُربة شعورية لا يمكن الخروج منها طول حياتنا اللهم إلا كما ذكر كونديرا بوجود الروح التي تشبهك في مكان آخر، عوضاً عن التدريج الخطير الذي حلّ بكثير من الأشخاص الذين عاشوا حياتهم في منفى داخلي أو خارجي، لم يجدوا الشعور الذي يملأ نفوسهم للبقاء مطمئنين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى