العاهة
د. محمد الدفراوي
لم تطق نفسها العنيدة من فرط السخط والحنق الذي انطوت عليه، ودت لو هدت الدنيا لتبنيها كما تحب، فقد ادركت بصيرورة الوقت أن عاهتها الناتئة في وجهها كرأس جبل لا يمحوها الزمن، ليس في استطاعتها اخفاءها أو حتى قبولها، تحركت نفسها العاوية بالكره كجرثومة حقيرة في كل اتجاه، كرهت كل ما حولها حتى النخاع.. فأفسدتها الكراهية الغشيمة مرة، وتعاستها البلهاء مرة، لم تتجاوز عاهتها العمياء في شيء، حتى زميلتها الودودة لا ترغب فيها، صممت على الوحدة، و اقنعت نفسها الانزواء.
حملت قدرها الأكمه ما هي فيه من مرارة.. فالعمر كالقطار لا يتريث، يمرق ملهوفا.
لن ينظر احد إليها بعاهتها، تنهمر افكارها السوداء كشلال لا تستطيع له دفعا.. لعنت ضوضاء حظها المسن، حتى تكلست مشاعرها الذائبة، لم تحتفظ لنفسها بود هين.
قررت زيارة جراح تجميل شهير، ليصالحها على روحها النافرة.
خاب ظنها المحتضر، فرحتها تأجلت، نصحها بألا تهتم بالأمر، أن تقبله برضا و هدوء.. فليس في الإمكان استئصال اللعينة، حكمة الله توظف كل ما يخلقه فينا بدقة، فلا تنكد على نفسها نعمة الحياة البهية.
لم يعجبها طريقة استرسال الطبيب السائبة في نصحه المخملي.. فكل كلام خارج روشسة العلاج تطبيب خاطر، سمعته مرارا حتى سأمته، أريد حلا لا كلاما.
غادرت عيادته الملعونة، وجسدها محشو بالوهن، في حلقها صنوف من الألم، خاصمت هندامها الكئيب، ترنحت ثقيلة الخطى، تسلم النظر إلى الأفق المراوغ، بدت الدنيا لها اضيق من خرم إبرة.. تنهيدات انفاسها مكلومة، مقطوعة، فلا بشر، لا سيارات، لا ترى شيئا، عينها الكليلة تبحث لها عن مقعد ترمي عليه جسدها الهزيل.
لعنت حظها التعيس.
لماذا انا ايتها اللعينة دون بقية الأخريات؟
احرقتها الأسئلة المتأججة، حتى انطفأت شعلة حياتها الفائرة. فالشقاء الأسود أن يحقد المرء على نفسه.
أو حين يفقد للحياة طعمها اللذيذ ومذاقها الحلو، سيجد التعاسة في انتظاره.
فتشت عن طوق نجاة مأمول.. في زحمة خيالها المخنوق، لاحظت من يلاحقها بنظراته المحدقة، لم تهتم في البداية.. لكن بعض النظرات توقظ الموتى.
نظراته نصف حقيقة عرجاء قالت لنفسها.
فتحت طاقة نور في ظلام روحها المتجبسة.. تصاعدت الفرحة من جثتها الهامدة.
فتحت باب منزلها، هرعت إلى مرآتها الفاتنة، لمست عاهتها بأصابعها الحانية، رأتها كما لم ترها من قبل، بدت كأفتن النساء.
حضنت حقيبتها ودارت دورتين على قدميها الرشيقتين.
بنفسها صححت قدرها!



