بعد «١٢» عاماً

محمود الهاشمي
ألصقت جهاز الاتصال على اذنها، وراحت تكلم صاحبتها: لم أكن أتصور اني سأتزوج مثل هذا الزوج ،فأنت تعلمين كم كنت احلم بزوج يليق بي ، تصوري انه الى الان لم يحسن شد ربطة العنق ،ولا كي قميصه ،وأحيانا كثيرة يبقى بذات الأردية الرسمية حتى المساء ، وحين يدعوننا الأصدقاء لحضور حفلة اما ان يبقى صامتا ،كمن ملقى في سجن ، او يتململ ويدعونني للخروج !! البيت بالنسبة له مكتب ومطالعة واوراق ومعاملات ،ربما انا شاركت بهذه التعاسة، فلم أحاول ان اثيره بل ثأرت لنفسي حين أبدو بعيدة عنه منتظرة ان يتبعني كالقط ،ويتوسلني ،كنت أتمنى ان يبكي مرة من أجلي يسأل عني ،يطالبني بنوع من الطعام ،ربما أحس باني اتعامل معه بمنظور طبقي كونه من أسرة فلاحية فقيرة وانا ابنة الأغنياء.
حتى أولادي منه ماعدتُ ارى فيهم أولادي ،وحين رسب احدهم في الدراسة علق قائلا(لا اعتقد انه يعود لي) هو يرى انه اخطأ الزواج مني ،وحتى عندما أتكلّف النوم معه هو يتكلّف أكثر ثم نجلس بعدها مثل كلبين متعبين!!
الأنكى من ذلك ،مستعد ان يتحدث مع فلاح الحديقة لأكثر من ساعة يسأله عن أولاده وأين وصلوا بالدراسة وبناته وعن زوجته المريضة فيما لم يسأل عن أهلي ،وحين يدنو احد أبنائه منه يرده بهدوء وينسحب عنه.
لا أعرف ان كان يريد ان يعاقب نفسه ام يعاقبني؟
تحدثت مع والدي لمرات، فيأتي جوابه بأنه يشغل مناصب مهمة بالدولة، وتتمناه كل النساء، وعليك ان تعرفي انك متزوجة من مسؤول و وقته غالبا لعمله!
بتّ اختنق من البيت، وارى كل شيء فيه أشبه بالمعتقل بأبوابه وجدرانه وشبابيكه، حتى أدوات المطبخ مثل أدوات التعذيب التي نراها بالافلام.
من المخطئ فينا انا ام هو؟
مضى على زواجنا (١٢) عاما ثقيلة بأيامها وساعاتها.. ربما أنا حرمته من زوجة ترغب بمثل هذا النوع من الرجال؟ وارى من امثالهن وهنّ يتحدثن عن أزواجهن ومهامهم ومسؤولياتهم بكل سعادة.
ـ أنت بهذا ستنفجرين وتدمرين حياتك!
ـ أن أنفجر افضل من أن أبقى اسيرة حياة لا معنى لها.
ـ لا تتعجلي.
ـ صبرتُ (١٢)عاما وكفى، سأبدأ من الْيَوْمَ بالتحضير لحياة اخرى، سأتحرر سأتحرر!
ألقتْ بجهاز الاتصال أرضا ثم هرعت اليه ودلكته بقدمها لمرات ثم ركلته بقوة لينتهي تحت المنضدة وهو يردد صوت صديقتها (سهام سهام اسمعيني آخر مرة).
كانت غرف المنزل قبيحة جدا، فالأحذية الصغيرة والكبيرة تتناثر بشكل عشوائي على معظم المساحات الفارغة، وبدا بنطال زوجها المعلق أشبه بشخص معدوم منذ ايّام، وبدا الفلاح في الحديقة وهو يهوي بالمعول على الارض كأنه حفار قبور. أصوات اجهزة التبريد أشبه بصيحات نساء في عزاء، شعرتْ بتلوث الهواء والفزع من اي شيء تلمسه، فخارت قواها وسقطت على الارض في شبه غيبوبة.



