النسخة الرقميةسلايدر

جـرف النصـر بين تُهم الساسة وتضحيات المقاتلين … التهديد الامني على جرف النصر مازال قائماً مع تواصل الهجمات الارهابية

تحقيق – سلام الزبيدي

انطلقنا من بغداد الى منطقة (جرف النصر) التي تبعد عن العاصمة ما يقارب الـ(05) كيلومتراً، حاملين في جعبتنا الكثير من الملفات التي شهدت لغطاً سياسياً واعلامياً واسعاً منذ استعادة تلك المنطقة في (4102) من سيطرة تنظيم داعش الى اليوم، للتعرّف عليها بشكل مباشر، ولنجد أجوبة واضحة عن حقيقة ما «يشتره» الساسة ووسائل الاعلام المحلية والاقليمية والدولية على مدار الاربع سنوات الماضية، بما يتعلق بالوضع الداخلي لمنطقة (الجرف).ونقلت عشرات التقارير والأخبار في الفضائيات والمواقع الخبرية وعبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدّث عن وجود تجريف لبساتين (جرف النصر)، وتغيير ديموغرافي قد طالها، فضلاً عن قضية النازحين التي يعاد تدويرها بين الحين والآخر ، والسؤال الذي يثار دائماً من قبل جملة من السياسيين: لماذا لا تتم اعادة النازحين الى المنطقة على الرغم من دخول تحرير الجرف عامه الرابع ؟!.
تلك الملفات وقضايا أخرى حملناها متوجهين الى (الجرف) لايصال الحقيقة الى المتلقي كما هي، بعد ان شهدت تلك القضية لغطاً واسعاً، وتعرّض (المتلقي) الى كم هائل من الرسائل الاعلامية حيالها.
وبعد ان قطعنا المسافة الفاصلة بين بغداد ووصلنا الى منطقة المسيب انحرفت السيارة يميناً لتتوجه الى المدخل الرئيس للجرف، وعند ذلك بدأت الاجابات تظهر أمام مشاهداتنا، التي وثقناها بعدسة الكاميرة وارفقناها مع ذلك التحقيق الموسع، لكي تكون الحقيقة بالكلمة والصورة أمام المتلقي.
بعد ان دخلنا حدود الجرف مجتازين السيطرة الأولى لكتائب حزب الله، صادفنا على شارع المدخل أطفالاً يلعبون، ونسوة متجهات الى منازلهن، كما رصدنا مجموعة من المزارعين وهم منشغلون بأرضهم الزراعية، فضلاً عن وجود عوائل على جانبي الطريق في حيي البهبهاني والعسكري.
وتمسك كتائب حزب الله الأرض في منطقة (جرف النصر) منذ تحريرها الى اليوم، حيث عملت على صد الهجمات التي تعرّضت لها المنطقة طيلة السنوات الماضية، بحسب ما أكده قادة ميدانيون.
الحياة طبيعية بالمناطق المؤمنة في بداية الجرف
الحياة بدت طبيعة جداً، في المناطق المؤمنة بشكل كامل، عند بداية (الجرف) وعند اجتيازنا للسيطرة الثانية، أخذت بساتين النخيل تتشابك على طرفي الشارع ، ولم نجد أية آثار على وجود تجريف للبساتين كما نقلتها وسائل الاعلام أو أضراراً كبيرة قد لحقت بها على الرغم من ضراوة المعركة التي دارت رحاها في تلك المنطقة المهمة منذ عام 2014.
وخاضت فصائل المقاومة الاسلامية كتائب حزب الله وبقية الفصائل الاخرى والحشد الشعبي معركة شرسة اطلق عليها اسم «عاشوراء» انتهت باستعادة الجرف في (24-10-2014)، بعد تقدّمها من عدة محاور، والتي عدّت آنذاك أكبر خسارة يتكبدها تنظيم داعش، بعد ان فقد مرتكز ولاية الجنوب ولم يمضِ على اعلان دولته المزعومة، سوى أربعة أشهر من سيطرته على الموصل في 10 حزيران من السنة المذكورة.
التنظيمات الاجرامية تراهن على جرف النصر لأهميتها الجغرافية
وعند تجوالنا في تلك المنطقة ذات الدور المتناثرة ، تمكنا من معرفة الأسباب التي جعلت التنظيمات الارهابية تراهن على (جرف النصر)، لطبيعتها الجغرافية التي تتمتع بكثرة الأنهر والبساتين والطرق الترابية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي جعلها نقطة التقاء بين اربع محافظات، حيث تتواصل مع محافظة الانبار (الفلوجة وعامرية الفلوجة) كما انها تمتد مع بغداد (اللطيفية واليوسفية والمحمودية)، كما تتصل مع كربلاء وبابل.
بقيت الدور عامرة في الجرف، ولم تتعرّض الى أضرار كبيرة فقط تلك التي فخخها تنظيم داعش قبل دخول القوات المحررة الى القضاء، لتمسك الأرض بعد ذلك فصائل المقاومة الاسلامية كتائب حزب الله التي شكلت طوقاً أمنياً على (الجرف) وتمركزت في جميع مفاصله لما يشكله من خطورة على أمن اربع محافظات في حال عودة الارهاب اليه.
وتشهد تلك المنطقة على وحشية تنظيم داعش الاجرامي التي مازالت راسخة في عقول المناطق المتاخمة (لجرف النصر) حيث مارست تلك التنظيمات أبشع جرائم القتل والتنكيل بحق المدنيين العزل، بعد ان انخرط غالبية سكانها مع التنظيمات الاجرامية، وحوّلوها الى مضافة ينطلق من خلالها الانتحاريون والسيارات الملغمة الى المناطق المستهدفة.
(دار اللواء) هو ضمن جملة من الدور المشيدة وسط الجرف إلا ان غرابة اسمه جعلنا نسأل أحد رجالات كتائب حزب الله عن قصة ذلك الدار، وأسباب تسميته ، حيث قال بان تلك الدار كانت للواء في الجيش العراقي، قام بقتل ولده (الداعشي) بعد ان انخرط في تنظيم داعش الاجرامي، وبعد تحرير المنطقة، طلب منا (اللواء) ان نقيم في تلك الدار، وعرفت منذ ذلك الحين في اسمه.
وعلى الرغم من ان غالبية المنازل تعود لعوائل الدواعش، إلا ان بعضها مازال معقلاً مع ما يحمله من أثاث طيلة السنوات الاربع الماضية.
العصابات الاجرامية واصلت تعرضاتها في الأشهر القليلة الماضية
الوضع الأمني في منطقة الجرف لم يكن مستقراً، لاسيما في السنتين الماضيتين، حيث دأبت العصابات الاجرامية على مهاجمة تلك المنطقة المهمة ، وقامت بتعرضات على سواتر حماية الجرف، ويؤكد أحد رجالات المقاومة الاسلامية كتائب حزب الله بان بعض الهجومات تبين انها تتم من قبل الدواعش من أهالي المنطقة، كونهم يعرفون جغرافية الجرف بكل تفاصيلها ويحاولون قدر المستطاع التغلغل بأطرافها إلا انهم يواجهون بضربات قوية.
كما أكد بان قناصاً للعصابات الاجرامية استهدف أحد عناصر الكتائب، من جهة (البحيرات) التي عادت بها عدد من العوائل منذ مدة طويلة.
لماذا تصرُّ القوى السياسية على اعادة الخلايا النائمة للجرف ؟
ويصرُّ نواب تحالف القوى على اعادة النازحين الى المنطقة، على الرغم من وجود وثائق تثبت انخراط المئات من الأهالي مع تنظيم داعش الاجرامي، بعد ظهوره في عام 2014، وتتزامن تلك الدعوات مع الهجمات التي تنفذها عصابات داعش الاجرامية على الجرف.
ويقول أحد مقاتلي كتائب حزب الله ، ان الجرف كانت منطقة إمداد لعصابات داعش الاجرامي، كونها تمتد الى الصحراء الغربية المتصلة مع الحدود السورية، وتلك المنطقة كانت عصية على الجميع منذ الاحتلال الى 2014.
مبيناً ان منطقة (جرف النصر) تشكل خطراً على اربع محافظات، لافتاً الى ان أهميتها هو من دفع الساسة الداعمين لداعش الى بث الشائعات حولها، محاولين استغلال الرأي العام.
موضحاً ان التعرّضات مستمرة من قبل عصابات داعش، لاسيما على ساتر (يا حسين) باتجاه محافظة كربلاء المقدسة، كما تشهد جهة (النهر) تعرّضات متواصلة.
العوائل عادت في الأحياء التي تم تأمينها بشكل كامل
لافتاً الى ان بعض العوائل عادت الى منازلها في أحياء العسكري والبهبان والحامية، لاسيما تلك التي لم تنخرط مع عصابات داعش.
بينما يقول أحد القيادات العسكرية الميدانية، بان جرف الصخر هي خاصرة العراق، لموقعها الاستراتيجي، الذي جعلها خط امداد مهماً للعصابات الارهابية منذ الاحتلال.
موضحاً بان الجماعات الارهابية الى اليوم تراهن على تلك المنطقة، وقامت بعدة تعرضات قبل أيام قلائل على أطراف المنطقة.
منبهاً الى وجود تعرضات تنطلق من الصحراء صوب أطراف الجرف وعلى سواتر الصد، مشدداً على ان فصائل المقاومة الاسلامية هي أول من أخلت العوائل النازحة في العمليات العسكرية، واليوم يتهم بعض الساسة المأجورين الفصائل بالعمل على عدم اعادة النازحين.
لافتاً الى ان التهديد في الجرف مازال متواصلاً، والدعوات الى ارجاع العوائل في تلك التوقيتات هي محاولة لاعادة الخلايا النائمة الى المنطقة لارجاعها الى نقطة الصفر.
مذكراً بالجرائم التي ارتكبها تنظيم القاعدة التي استهدفت المدنيين في العاصمة بغداد، والمسيب وكربلاء، ومن بعده تنظيم داعش الاجرامي، حيث كانت تنطلق غالبيتها من (الجرف) عبر المناطق المتاخمة له.
مقاتل يوجّه رسالة الى السياسيين : دماء المضحين تسيل وأنتم تكيلون التهم
ووجّه أحد المقاتلين رسالة الى الساسة الذين يتجاوزون على الدماء التي اريقت لعودة الأمن والامان الى ربوع العراق، واتهمت بالتهم الجاهزة. قائلاً: التضحيات التي قدّمتها فصائل المقاومة الاسلامية في (جرف النصر) هي من اسهمت بتأمين اربع محافظات ودرء المخاطر عنها.
مضيفاً: الى الان مازالت الدماء تسيل دفاعاً عن تلك المنطقة، حيث تتعرّض بين الحين والآخر الى هجمات من قبل العصابات الاجرامية المدعومة من الاحتلال الامريكي. مؤكداً: قدمنا الكثير من الشهداء والجرحى في الأيام القليلة الماضية.
وأوضح، بان الخطر الذي مازال محدقاً بتلك المنطقة، يكمن بتلك التسللات للخلايا النائمة من المناطق المتاخمة للجرف لاستهداف المجاهدين.
مزيداً انه ليس من الشرف ان تجابه تلك التضحيات بأكاذيب يطلقها الساسة على الفضائيات كسباً لرضا الغير، ومحاولة للترويج الانتخابي بدعوى وجود تجريف وتغير ديموغرافي.
لافتاً الى ان الجناح السياسي لداعش لا يريد مصلحة المواطن، وكل ما يريده هو ارضاء الجهات الخارجية التي تدعمه.
مزيداً بان الخلايا النائمة في محيط الجرف تتحيّن الفرص للدخول الى (الناحية) واحتلالها مجدداً وتهديد اربع محافظات، وهذا ما تقف بوجهه كتائب حزب الله، محذراً من «السماع للدعوات الكاذبة التي يطلقها المأجورون». وأدرك مجلس محافظة بابل حجم الخطر المحدق بمحاولات اعادة (الجرف) الى أيدي التنظيمات الاجرامية، لذلك اصدر قراراً يشدد على محاسبة جميع من يطالب بعودة عوائل الدواعش اليها بدعوى اعادة النازحين.
إذ صوّت بالإجماع بتاريخ (22-8-2017) على قرار يقضي بإقامة دعاوى قضائية ضد أية جهة حزبية أو سياسية تطالب بعودة نازحي ناحية جرف الصخر شمال المحافظة، عازياً السبب لارتفاع نسبة الهجمات التي طالت القوات الأمنية والحشد الشعبي في ناحية الجرف وقضاء المسيب.
الحصيلة
ومن خلال ذلك التحقيق المفصل الذي اجري في وسط منطقة (جرف النصر) معتمداً على الأدلة والمشاهدات المباشرة، والذي لم يكتفِ بالكلام العابر أو التصريحات، وانما أجري بعمق الجرف، وبعد تجوالنا في مناطق واسعة منه، وتسجيل المشاهدات وتصوير العديد من المشاهد، يتبين لنا بان ما أثاره الساسة عبر الفضائيات ما هو إلا مجرد أحاديث لم تستند الى الدليل، ينصب لهدفين لا ثالث لهما، أوله: هو محاولة للترويج السياسي وإشعال الفتنة.
وثانيهما هو اللعب بورقة النازحين، واستغلال الرأي العام مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية، وان كان ذلك على حساب الدماء التي تراق يومياً للدفاع عن أرض ومقدسات هذا البلد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى