مــرافــئ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد
21
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثانويةَ السَماوة لَمْ تكن غريبة عَلَى السَماوي، فقد كانت البناية هي ذات بناية مدرسته المتوسطة، فضلاً عَنْ أَنَّ أغلبَ المدرسين هم أنفسهم فِي المرحلتينِ الدراسيتين، وَأصبح « الفتى « المهووس بنظمِ الشعر سعيداً فِي الصفِ الرابع الثانوي، بالإضافةِ إلى تميزِه عَنْ بقيةِ أقرانه بالتفوّقِ فِي درسِ اللغة العربية حتى أَنَّ المدرسَ المرشد اختاره «فارس الصف» أكثر مِنْ أسبوع، حيث كان مرشدو الصفوف يختارون طالباً مَا بَيْنَ مدة وَأخرى ليُكتب اسمه فِي لوحةٍ معلقة فوق السبورة تحمل عنوان فارس الصف.
الْمُلْفِتُ أَنَّ اجتيازَ السَماوي الصف الرابع عام، فرضَ عَلَيه بعد نجاحه اختيار أحد الفرعين : العلمي أو الأدبي لمواصلةِ دراسة الصفين الخامس وَالسادس، لكن شاءت الظروف أنْ يكون عدد الطلاب الراغبين فِي الفرعِ الأدبي قليلاً، فَلَمْ يُفتح لهم صفٌّ فِي الدراسةِ الصباحية واقتصرت دراستهم فِي الثانويةِ المسائية، وَالَّتِي لَمْ يكن راغباً بها لأسبابٍ قد يكون مِنْ بَيْنَها أَنَّ الطريقَ الموصل لَهَا لا يمرّ عَلَى الجسرِ وَشارع النهر فِي الصباحاتِ الجميلة، ورُبَّما لأَنَّ النظرةَ الشائعة آنذاك تفضي إلى أَنَّ طلبةَ الدراسات المسائية هم مِمَنْ فشلوا فِي الدراسةِ الصباحية ورسبوا سنتين متتاليتين، فَلَمْ يَعُد بمقدورِهم عَلَى وفقِ لوائح إدارة التَّرْبِيَة مواصلة الدراسة الصباحية. وَفِيمَا يتعلق بميله للدراسةِ فِي الفرعِ الأدبي، لا مناص مِنْ القولِ أَنَّ واقعَ الحال يؤكد أَنَّ السَماويَ جدد لعبة الجري وراء مَا بوسعِه المُسَاهَمَة فِي تحقيقِ مَا يصبو إليه مِنْ أهدافٍ وَتطلّعات؛ إذ يمكن القول إنَّ أمراً واحداً جعله يزدادُ إصراراً عَلَى اختيارِ الفرع الأدبي، وَهو أَنَّه كان أذكى الطلاب فِي درسِ اللغة العربية، وَفِي الوقت ذاته كان أقلهم ذكاء فِي درسِ الرياضيات والجبر والهندسة؛ لذا اختمرت فِي ذهنِه فكرة السفر إلى مدينةِ الديوانية مِنْ أجلِ إكمال دراسته فِي مدارسِها، تعبيراً عَنْ الأبجديةِ التربوية المؤكدة عَلَى أَنَّ الطّموحَ يُعَدّ مِنْ أهمِّ الحوافز الَّتِي تشجّع الإنسان وَتحثّه عَلَى تحقيقِ غاياته وَتطلعاته، فكان لزاماً عَلَى الفتى – الشغوف بالشعرِ وَالمتطلع إلى رسمِ معالم مستقبله وَالوقوفِ عَلَى قدميِه فِي أروقةِ الجامعة المفعمة بالحياةِ وَالجمال – مغادرة مدينته السماوة الَّتِي جعلتها الأقدار لاحقاً « جنته وجحيمه معاً «، وَسافرَ تغمره نشوة التأسيس لغِده المشرق إلى مدينةِ الديوانية، لينتظم بالدراسةِ فِي ثانويةِ الجمهورية عام 1968م.
ما لـيْ أبـثُّـكَ يـانـديـمَ قـريـحـتـي
شـجَني وفـيـكَ من الهموم سـهـوبُ؟
هــل نحـنُ إلآ أمّـةٌ مــغـلـوبـةٌ
رأتِ الـمـشـورةَ مـا يقولُ مُـريبُ؟
مـا نـفـعُ تـوحـيـدِ الـلـســانِ لأمّـةٍ
إنْ لـم تُـوحَّـدْ أذرعٌ وقــلــوبُ؟
هيَ أمَّـةٌ أعـداؤهـا مـنها.. مـتـى
طارَ الجـناحُ وبـعْـضُهُ معـطـوبُ؟
مِن أيـن نـرفـلُ بالـنعـيـمِ وبـيـنـنـا
لـصُّ الـرّغـيـفِ ومارقٌ وكـذوبُ؟
ومُـدجَّـجٌ بالـحـقــدِ يـنـخـرُ قـلـبَـهُ
ضَـغَـنٌ لـه نحـو الـدِّمـاءِ دبـيـبُ؟
أعـمى الـبصـيـرةِ فيهِ من أحـقـادِهِ
مَـسٌّ ومن صـدإِ الظنونِ رسـيـبُ؟
«لا يسلمُ الشرف الرفيع من الأذى»
حتى يُـعـيـدَ طـريـفَـهُ الـمـسـلـوبُ
ـ ـ
لا مناص مِن القولِ إنَّ الإنتقالَ إلى مدينةِ الديوانية، يُعَدُّ حدثاً شَدِيد الأَهَمِّيَّة بالنسبةِ للسَماوي وَلأسرته؛ إذ منحه الواقع الجديد فضاء حرية أوسع ممَا كان عليه فِي مسقطِ رأسه مدينة السَماوة، فقد أصبح بمقدورِه السفر إلى بَغْدَاد العاصِمة مَا بَيْنَ وقت وآخر لاقتناءِ مَا بحاجته مِن الكتب وَالمطبوعات، والى مدينةِ كربلاء أيضاً حيث كان يعمل مُدرّساً مَنْ كان قدوة له فِي الشعرِ، وهو الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي « طيب الله ثراه «، إلا أَنَّ السَماويَ الَّذِي جُبل عَلَى حياةٍ لا تخلو مِن التحدّي مذ أنْ تفتحت عيناه عَلَى ضجيجِ الحياة فِي صوبِ الغربي، وَبدأ بفخرِ الطين وَتسلق الباسق مِن النخيل وَعبور نهر الفرات سباحة لأكثرِ مَنْ مرةٍ فِي اليوم، فضلاً عَنْ سهره فِي بعضِ الأحيان الليل بطولِه إلى أنْ تطلَ شمس الصباح فِي محاولةِ نظم قصيدة، لَمْ تكن دراسته فِي الديوانيةِ تجري بصورةٍ أو بأخرى فِي معزلٍ عَنْ الصعوبات، فقد تحمّل والده رحمه الله عبئاً كبيراً فِي توفيرِ مصاريف الدراسة عَلَى صعيدِ إيجار الفندق وَالطعام، وَمِنْ ثم إيجار البيت الَّذِي استأجره فِي حي المتقاعدين مَعَ زميلينِ صديقين مِن أهالي السماوة، وَلاسيَّما بعد طرده مِن القسمِ الداخلي بسببِ اكتشاف الإدارة انتمائه لاتحاد الطلبة. وَمَعَ اشتدادِ المضايقات عَلَى الفتى المفتون بسحرِ الأدب وَالشغوف بجزالةِ اللغة، وَالمتحفز لإنضاجٍ مرتكزات البِيئَة الَّتِي تمكنه مستقبلاً مِن الوصولِ إلى مراده وَتحقيق طموحه وَأهدافه بعيدة المدى، يتضحُ جلياً أَنَّ الثوابتَ وَمثل السياسة الَّتِي آمن بِهمَا السَماوي جعلته – عَلَى الرغمِ مِنْ صغرِ سنه – يَبدُو فِي ظلِ تلك الظروف العصيبة كَمَنْ هضم جيداً مضمون العبارة التالية: « إذا خَلت الحياةُ مِن الصعوبةِ لَمَا استشعرنا بجمالِها «، فلا عجب أنْ ينفتحَ صهيل الروحِ بوهجِ الحرف وَأناقة الأداء، بالإضافةِ إلَى مَا مِنْ شأنه المُسَاهَمَة فِي ترسيخِ القيم الإنسانيَّة.
خـرجـتُ مـن ثـيـابـكـم مـقـبـرةِ الأحـيـاءْ
مُـقـاتـلاً .. ســيـفـي دمـي
جـيـوشـيَ الـعـشـاقُ والأطـفـالُ والـنـسـاءْ
خـرجـتُ لـلـفـضـاءْ
أبـحـثُ عـن جـزيـرةٍ جـديـدةٍ
أبـحـثُ عـن ســمـاءْ
غـيـر الـتـي كـان أبـي يـعـبـدهـا
فـقـد رفـضـتُ الـيـومَ أنْ أعـانـق الـمـوتـى وأنْ أقـلّـد الأشـيـاءْ
أنـا هـو الـنـهـرُ الـذي جَـفَّ … أريـدُ الـمـاءْ
أنـا هـي الأرضُ الـتـي تـبـحـثُ عـن سـمـاءْ



