ازدهار المدارس الخاصة في العراق تعبير عن أزمة التعليم الحكومي

يؤكد خبراء قطاع التعليم في العراق، أن ضغوط الوضع المتردي داخل المدارس الحكومية دفعت إلى تزايد أعداد نظيرتها الخاصة، في وقت تحاول فيه الأخيرة كسب ثقتها في أولياء أمور الطلبة عن طريق فرض نمط تعليمي يراعي جوانب عديدة منها دعم حظوظهم في التفوق وتخريج أجيال كفوءة.يشهد العراق خلال الفترات الأخيرة توجهاً ملحوظاً نحو المدارس الخاصة التي أضحت تستقطب أعداداً كبيرة من الطلبة، فيما بقيت المدارس الحكومية في طور يصفه الخبراء والمتابعون لقطاع التعليم بأنه الأسوأ وفي تراجع مستمر، حيث انصب التركيز على ما يوفره التعليم في المدارس الخاصة من امتيازات تسمح بمضاعفة الجهود حتى للعائلات المفقرة بالمسارعة إلى تسجيل أبنائها في هذه المدارس.
ويقر مهتمون بقطاع التربية في العراق بأن تدعّم مؤسسات التعليم الخاص في العراق على حساب المدارس الحكومية يعود بالأساس لجهة ما عرفته الأخيرة من تدهور على المستوى التربوي ونقص في التجهيزات فضلا عن اكتظاظ صفوفها الكبير، ما أدى إلى نفور العديد من الطلبة منها.
ويبقى الفساد الحكومي السبب الأول في تدهور التعليم، مثلما هو الحال في بقية قطاعات الدولة، إذ تصنف منظمة الشفافية الدولية العراق ضمن المرتبة الثامنة بين أكثر البلدان فسادا في العالم.
مسؤولون في قطاع التعليم في العراق يؤكدون أن تواصل تدهور التعليم الحكومي شجع على افتتاح المزيد من المدارس الخاصة وليس ذلك فحسب، بل إنّ ثقة أولياء أمور الطلبة تنالها فقط المدارس الخاصة اليوم، بعدما شهدت المدارس الحكومية تدهورا كبيرا بشهادة هؤلاء (أولياء أمور الطلاب) وتؤكدها أيضا نتائج الامتحانات العامة التي تظهر ارتفاع نسبة الرسوب.
وقال محمد العيساوي الذي عمل في إدارة عدد من المدارس الخاصة، إن بداية إنشاء هذه المدارس كانت لجذب الطلاب من أبناء العائلات الميسورة، وما شجع المستثمرين على إنشاء هذه المدارس هو تدهور حالة التعليم الحكومي. وتتركز المدارس الخاصة في بغداد بصورة خاصة وتشهد زخما غير مسبوق. وبحسب وزارة التربية، فإن البلاد تحتاج إلى نحو سبعة آلاف مدرسة جديدة لحل مشكلة الدوام المزدوج وتقليل أعداد الطلاب في كل فصل. ويؤكد المشرف التربوي باقر حسن، أن فشل التعليم الحكومي وانجذاب الكوادر التعليمية الجيدة إلى المدارس الخاصة ساهما في تزايد أعداد المدارس الأهلية التي أضحت للكثيرين مكانا مثاليا للتعليم.
وأمام هذا الركود الذي تعانيه المدارس الحكومية وعزوف العائلات عن إرسال أبنائها إليها، تسعى وزارة التربية إلى محاولة الاهتمام بتشييد مدارس جديدة وإعادة تهيئة المدارس التي تأثرت خلال الحرب.
وأكد وزير التربية محمد إقبال الصيدلي، أن هناك مباحثات ثنائية جارية بين وزارة التربية والصندوق الكويتي للتنمية بغرض بناء 74 مدرسة جديدة. وقال إنه تم الاتفاق على بناء هذا العدد من المدارس في بغداد وبقية المحافظات، وقد خصص الصندوق الكويتي للتنمية مبلغ 100 مليون دولار لغرض إنجاز بناء تلك المدارس وبمدة زمنية لا تتعدى 24 شهرا.
وتعاني المدارس الحكومية العراقية من العديد من الأزمات التي يستحيل معها تقديم دوام كامل للطلاب والاهتمام بمشاغلهم الدراسية، وبرغم ذلك فإن طاقة استيعابها لم تتراجع.
ويقول العيساوي: «في الوقت الذي تصل أعداد الطلاب في الصف الواحد داخل المدارس الحكومية إلى 50 طالبا وربما أكثر، ويتزاحمون في الجلوس على المقاعد ويصل الأمر إلى حد افتراش الأرض مع نقص في الأثاث وعدم وجود أجهزة تكييف، فإنّ المدارس الأهلية (الخاصة) لا تعاني من كلّ هذه المشاكل، إذ لا يتجاوز عدد طلاب الصف الواحد فيها 20 طالبا، وتوفر لهم مقاعد مريحة وصفوفا مكيفة ووسائل تعليمية عديدة ومتطورة».
ويؤكد مسؤولون في قطاع التعليم أن التدهور المتواصل للتعليم الحكومي شجع على افتتاح المزيد من المدارس الخاصة، التي أصبحت مشروعا استثماريا ناجحا بالنسبة إلى أصحاب رؤوس الأموال بل أصبحت مجموعات من الأشخاص تتشارك لافتتاح مدارس خاصة، حتى فاق عددها في العراق 1300 مدرسة.
ويقر هؤلاء بأن الدراسة في المدارس الخاصة لم تعد حكرا على أبناء العائلات الميسورة فقط، بل إن العائلات التي تعد من الطبقة الأدنى وحتى الكثير من العائلات الفقيرة باتت تخيّر الدخول تحت سقف الاستدانة لأجل تعليم أبنائها في هذه المدارس.
وقالت الناطقة باسم الوزارة سلامة الحسن، في بيان إن وزارة الإسكان والإعمار ووزارة الصناعة السابقتين تعاقدتا مع شركات قطاع خاص لبناء المدارس، مشيرة إلى أن 50 بالمئة من الأموال المرصودة أحيلت إلى تلك الشركات التي لم تنجز سوى 10 بالمئة من الأعمال.



