النسخة الرقميةثقافية

فرق ملابس!

احمد الغازي/ المغرب

التحقت بمحطة أولاد زيان، الساعة تشير إلى الثامنة وخمس عشرة دقيقة، الضوضاء هو العنوان البارز. أطفال يشمون السيلسيون وشابات يبعن الكلينيكس والماء.
توجهت نحو شباك التذاكر و وقفت في ذيل الصف.
قبالتي فتاة تحدر جفناها كلما تقابلت عينانا. تحكم بقبضتها على حقيبتها. تهز يداها إلى أعلى تراقب الساعة، لفت انتباهها مظهري، وكل تحركاتها كانت غير عادية.
ربما، حطتها للتو الحافلة، أخبروها أن كازا صعبة، خصوصا في الليل.
لم تكن السماء متلألئة بالنجوم كما اعتدت على ذلك في الجنوب الشرقي، كلنا غرباء في المحطة، كجمهور تائه يستمع رغما عنه لمعزوفة يحدثها الكريسونات وبائعو البيسكوي وكلاكسون الحافلات.
كنت كمن، خرج من تحت الأرض، التراب الأحمر يزركش ملابسي، حتى أظفاري لم تخلُ من بقايا «الحمري»، رغم أني غسلتها وقمت بفركها جيدا بعد يوم شاق من العمل.
الآن عرفت لِمَ الشابة كانت مرتبكة.
تحولت من ذيل الصف إلى رأسه، رأسي يؤلمني والابتسامة ماتت في وجهي. طلبت من المكلف بالتذاكر بملامح عائد من الحرب:…. لم يمنحني فرصة إنهاء كلامي، بانت له ملامح التشرد في عيني، وظن أني واحد من أولئك الذين يتصيدون الفرص في المحطة، لم يترك لي فرصة الكلام لأشرح له الوضع، آه لو يعلم أن الوقت لم يسعفني لأذهب للبراكة، واختصارا للوقت جئت لأحجز مقعدا! قد يكون على حق أولاد زيان تلوثت وتحولت إلى حلبة مصارعة، لكن ما ذنب هذا البستاني؟ صرخ في وجهي: عد ادراجك!
تلقيت كلامه كصعقة كهربائية، حاولت أن أستل النقود من الجيب الصغير، إلا أنه عاود الصراخ: عد ادراجك!
استسلمت لعنتريته، وخطرت على بالي فكرة.
عدت أدراجي إلى «البراكة»مستقلا التاكسي. بدلت ملابسي، ارتديت بذلة أنيقة، كتلك التي يتزين بها العريس ليلة فرحه، تعطرت ومسحت حذائي، وضعت ساعة في يدي وانصرفت.
أشرت بيدي إلى الحافلة، استقبلني «الكريسون» مرحبا أستاذ مراكش ان شاء الله. لا غير المحطة. مرحبا سيدي.
وصلت المحطة، لا شيء تغير، البنت ما تزال لاصقة مكانها، والصف طويل أمام شباك التذاكر.
هذه المرة الفتاة تفرج كلما أتيحت لها الفرصة عن ابتسامة خجولة، أتجاهلها حينا وحينا أغمز لها حتى إذا أحنت رأسها غير راضية أمرر أصبعي على عيني أحكها حكا في انتظار دوري في الصف.
مر ربع ساعة على التمام و لقيتني ثانية أتصدر الصف.
السلام عليكم، اريد تذكرة لزاكورة.
استقبلني الرجل بحفاوة نفس الرجل بعضمه ولحمه: مرحبا سيدي، حاضر.
حجز لي مقعدا في الأمام، وقبل أن أغادر المكان قلت بصوت مسموع: «شكرا أيتها الملابس»!
مشيت واثق الخطى، أحسست بوقع خطوات يتبعني، حاولت أن أكون أكثر حضورا تعبيرا عن كازويتي.
في الشارع المؤدي إلى محطات التاكسيات أوقفني شابان، بجرة لسان قال أحدهم: اعطني درهما.
علمت حينئذ أني في ورطة، وهذه الورطة أصعب من الأولى بملابس العمل.غامرت، أخرجت درهما كان تالفا في جيبي الخلفي، سلمته له وانصرفا.
خطوت بضع دقائق، أوقفتني امرأة عجوز تطلب صدقة. وليس بعيداً عنا كانت تقف فتاة تطرطق العلكة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى