مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد سالم
15
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلِّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ – مَا أتيح لي – مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَ وَعي عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَ وضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.
إذا كان مِن المسلَّم به أَنَّ بمقدورَ المدرسة إكسابِ الأجيال – فِي أيِّ زمانٍ أو مكان – أبجدية التَّرْبِيَة وَالمعرفة وَالمواطنة وَقيم الإبداع، فضلاً عَنْ غيرَها مِنْ حزمةِ السلوكيات القويمة المتمثلة بالاحترامِ وَالالتزام وَالصدق وَ روح العمل الجماعي، وَالَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي إعدادِ شبابٍ واعد نابض بالحياة، وَمتطلع إلى النهوضِ بمختلفِ القِطاعات، بوصفِه القيمة الحقيقية المضافة الَّتِي بوسعِها تعزيز موارد البلاد البَشَريَّة، فِمَا أظننا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ بلدَنا اليوم أشد مِنْ أيّ يومٍ آخر حاجةُ إلى العنايةِ بالمعلم، إضافة إلى عمومِ أروقة مَنْظُومَة التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، وَلاسيَّما أَنَّ معطياتَ أيامنا الحاليَّة تلزم قياداتنا الإدارية التَّخْطِيط لغدٍ آمن مستقر فِي ظلِ مَا يواجه البلاد مِنْ تحدياتٍ خطيرة تتطلب مِنْ جملةِ موجباتها البحث عَنْ سُّبُلِ المواجهة لصِنَاعَةِ المُسْتَقْبَل. وَلَعلَّنَا كذلك لا نغالي إذا قلنا إنَّ شريحةَ المعلمين – وَلاسيَّما فِي أيامِ النظام السابق وسنوات الاستعمار البريطاني – كانت مِنْ أكثرِ الشرائح الاجْتِماعِيَّة فِي بلدِنا تأثراً برحلةِ الألم والشقاء فِي فضاءاتِ معلولةٍ الآفاق لدنيا معجونة بِما لا يغتفر مِنْ عبثِ السِّياسَة الساعية إلى محاولةِ جعل أفضل خلق الباري عز وَجل يصارع قدره مَعَ السُّلطة أو الخضوع لأجنداتِ خارطتها السِّياسِيَّة بالاستنادِ إلى مَا يشار إليه باسْمِّ سِياسَة فرض الأمر الواقع. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم – وَنَحنُ فِي صددِ الحديث عَنْ رحلةِ أديبٍ نقش بشعرِه صورة الوطن عَلَى وجعِ جرحه وهو يقضي أغلب سنوات شبابِه فِي النضالِ مِنْ أجلِ حُرِّيَّة شعبه، فضلاً عَنْ جهدِه فِي القِطاعِ التَرْبَوِيّ – أنْ نشير إلى ما أتيح لنا مِنْ بعضِ الحوادث الكثيرة الَّتِي عاشها المعلم، حيث يروي الشاعر العماري عبد الآله منشد الخليفة أنَّ معلماً فِي واحدةٍ مِنْ مدارسِ مدينة العمارة، طرق باب منزل عمه يوم التاسع والعشرين مِنْ شهرِ رمضان فِي أحد أعوام الحصار – أيام النظام السابق – طالباً مِنْ صاحبِ الدار تسليمه مبلغ « زكاة الفطر «، وَالَّتِي تسلم عادة للفقراءِ مع صلاة عيد الفطر أو قبلها، كونِه يستحقها؛ لأنَّ راتبه الشهري حينئذ لا يزيد عَنْ ( 2750 ) ديناراً، فانبرى لَه الشاعر الخليفة الَّذِي شهد الواقعة بهذه الأبوذية:
اخذ مني حديثي هـــــذا فطرة
الصراحة البكلامي اجت فطرة
يدكَ بابي الفقير يريـــــد فطرة
وآنه الفطرة تعز صارت عليَّ
مِنْ بَيْنَ حكايات التَّعْلِيم فِي العهدِ الملكي، وَالَّتِي ضاع الكثير مِنْها فِي زحمةِ الليالي أنَّ مديرَ إحدى المدارس – المبنية مِنْ القصب – فِي منطقةِ الحشرية التابعة لناحيةِ العدل بمحافظةِ ميسان، فوجئ ذات صباح بفقدان أحد صفوف مدرسته، فَلَمْ يتبادر إلى ذهنِه سوى الإسراع بتحريرِ كتابٍ رسميّ تحت عنوان « طيران صريفة « وَإرساله إلى مديريةِ تَّرْبِيَة العمارة؛ لأجلِ ضمان النأي بنفسه عَن المساءلة، بَيْدَ أنَّ المديريةَ المذكورة آنفاً أجابته بكتابٍ رسمي طريف مفاده: « صريفتكم لَمْ تمر بأجوائنا «. وَلَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ المعلمينَ كانوا فِي طليعةِ الموظفين والعمال الَّذين كان يجري نفيهم مِنْ مراكزِ المدن وَضواحيها إلى الأريافِ والمناطق النائية بسببِ نشاطهم السِّياسِيّ وَمواقفهم الوَطَنيّة المناهضة للسُّلطة، وَضمن هَذَا الإطار يروى أَنَّ معلماً جرى نفيه إلى إحدى المدارس الإبتدائية فِي ناحيةِ ( العدل ) بمحافظةِ ميسان أيضاً، ثم ما لبث أنْ جُددَ نقله بسببِ استمرار نشاطه السِّياسِيّ إلى مدرسةٍ أخرى أبعد كثيراً مِنْ مركزِ المدينة عَنْ سابقتِها، كونها تقع فِي منطقةٍ بعيدة يشار إليها باسْمِ ( الأعيوج )، إلا أَنَّ المذهلَ فِي الأمرِ هو ردة فعل صاحبنا الَّذِي لِمْ يجد أفضل مِنْ الركونِ إلى الشعرِ للتعبيرِ عَنْ مظلوميته وَاستهجانِه أمر النقل؛ إذ اهتدى إلى خيارِ نظمِ قصيدة شعرية قصد إرسالها إلى مديرِ التَّرْبِيَة، وَالَّتِي مطلعها:
إذا بالعدلِ انا ما استقمنا
فكيف بالأعيوج نستقيـم
فِي إحدى قرى الناصرية النائية، ألزمت قساوة الظروف الَّتِي كان يعيشها معلم – منفٍ – انتحاله صفة أحد الشيوخ البارزين فِي المنطقةِ الَّتِي يمارس فِيها عمله معلماً مِنْ أجلِ تيسير محاولة نقل نفسه وظيفياً إلى إحدى المدارس الإبتدائية العاملة فِي مركزِ الناحية، حيث استفاد مِنْ ضخامةِ بنيته وَ وسامته وَجرأته عَلَى المغامرة، وَعمد إلى استعارةِ زي عربي مِنْ أحدِ الوجهاء دُون إشعاره حقيقة غَرضه، وَممَا ساعده فِي اتمامِ مهمته هو سماع مدير التَّرْبِيَة باسْمِ الشيخ مِنْ دُونِ اللقاء بِه أو حتى رؤيته فِي وقتٍ سابق؛ لذا حظي الشيخ – المعلم المنفي – باستقبالٍ مهيب مِنْ لدنِ مدير التَّرْبِيَة، فضلاً عَنْ موافقته عَلَى توسطِ الشيخ – المفترض – بنقلِ المعلم إلى واحدةٍ مِنْ مدارسِ مركز الناحية، وَحين كان المدير يتجاذب أطراف الحديث مَعَ ضيفِه المبجل وَقد أدهشته فصاحته، دخل الموظف المختص وَناول مديره الكتاب الخاص بأمرِ نقل المعلم لغرضِ توقيعه، بَيْدَ أنَّ سوءَ الحظ كان بالمرصادِ لهَذَا المعلم السياسي، حيث صادف أنْ دخلَ مدير أحد المدارس العاملة فِي المنطقةِ ذاتها مكتب مدير التَّرْبِيَة قصد التداول معه بأمرٍ يخص مَدْرَسته وَبعد قيامه بأداءِ التحية، فوجئ بوجودِ المعلم المشار إليه آنفاً بهيأةٍ غير معتادة، فإلتفت إليه مخاطباً إياه – مِنْ دُونِ أنْ يعلمَ حقيقةِ أمره – بصفته زميلاً وليس شيخاً قائلاً: كيف الحال أستاذ … أراك اليوم تاركاً الدوام فِي المَدْرَسةِ ومنتشياً بالزي العربي، وَأمام صدمة مدير التَّرْبِيَة عاد صاحبنا إلى مَدْرَستِه مهموماً وقد سبق وصوله المَدْرَسة كتاب يوبخه.



