النسخة الرقميةثقافية

مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد سالم

12

لَعَلَّنا لا نبعدُ عَن الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ لا شيء يحمله السَمَاوي مِنْ ذكرياتِ طُفُولته الأولى فِي السَماوةِ أعذب مِنْ نهرِ الفرات الَّذِي لَمْ يُشكل ارتياده بشكلٍ دائم صعوبة له بسببِ قرب بيت جده لأمه المولود فيه كثيراً مِن النهر، فضلاً عَنْ جمالِ إيقاع اصطفاف نخيله، فعَلَى شاطئه المتآلف منذ زمان بعيد مَعَ طيبةِ وَبساطة وَفطرة جواره مِن البشر، تبلورت أبجدية ذاكرته الأولى فِي طُفُولته الغضة وَهو يمرح متأملاً شموخ نخل السماوة الَّذِي يخيل إليه استحالة انكساره أمام أعتى العواصف. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ شاطئَ الفرات ـ الَّذِي ارتبط اسمه بذاكرةِ الإنسانيَّة وَالعراقيين عَلَى وجه الخصوص بأكثرِ وَقائعِ التأريخ حزناً وَبشاعةً وَمظلومية ـ كان مستقراً آمناً للهوِ يحيى وأترابه وَمتسعاً للعبِ البريء، غَيْرَ أَنَّه كان فِي الوقتِ ذاته مكاناً للموتِ وَمصدراً للحزنِ وَالأسى، فكثر مَا ابتلعت أعماق النهر الخالد وَغياهبه أرواحاً غضة مِنْ رفاقِ الطفولة، وَالَّذين لَمْ يتسنَ لأحدٍ مِنهم العودة إلى شاطئ النهر عَلَى الرغمِ مِنْ طولِ انتظار أهليهم وأحبتهم. وَلا رَيْبَ أَنَّ قرابينَ البشر السنوية لنهرِ الفرات وَغيره مِنْ أنهارِ البلاد وَ روافدها، تفرض عَلَى أهلِ المسؤولية السعي الحثيث لإيجادِ الآليات الَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي درء حالات الغرق؛ إذ أَنَّ إحصائياتِ الجهات الرسمية الخاصة بحوادثِ الغرق فِي المسطحاتِ المائية، مَا تَزال تشكل هاجساً يؤرق الأهالي الَّذين ما فتِئوا يتناسلون فِي الوقوعِ بفواجعِ الغرق، وكأنهم مرغمون عَلَى إحياءِ إحدى العادات القديمة الَّتِي فرضها الحس الديني لدى بعض الشعوب القديمة والمتمثلة بتقديمِ القربان البشري للآلهة، مَعَ العرضِ أنَّ تلك الطقوس اختفت عند بعضِ الأقوام وَاستمرت عند أخرى؛ لأسبابٍ تتعلق بالتطورِ وانتقال المجتمعات مِن العصورِ الحجرية إلى عصورِ النهضة وَالانفتاح. وَالْمُلْفِت أَنَّ فكرةَ تقديم القرابين لإله البحر عادة متأصلة فِي حياةِ الشعوب الافريقية، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو قرابين النيل الَّتِي كانت تقدمها القبائل فِي جنوبي السودان.
مِنْ هُنَا فإنَّنَا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ الأمرَ الَّذِي ألزمَ والد يحيى تعليم ابنه السباحة بنفسِه، هو الخشية عَلَيه مِن الغرق، حيث أرغمه عَلَى ذاك المنحى وَهو لَمْ يَزل طفلاً صغيراً بعد أَنْ اكتشفَ ممارسة يحيى السباحة فِي الفراتِ مستغلاٍ قرب بيتهم مِن النهر، حيث كان يستأجر مِن «المرحوم محمد دنيّف» أنبوباً مطاطياً منفوخاً ـ يُستخدم مَعَ إطارِ السيارة وَالَّذِي يشار إليه محلياً باسْمِ «جوب» ـ ليعبر به النهر مجازفاً بحياته. وإلى جانبِ تعلقه الكبير بالسباحةِ التي اعتاد عَلَى قضاءِ وقتٍ طويل بممارستِها فِي كُلِّ يوم، كان فِي طفولتِه يتسلق السياج الطيني لبُستانِ «الإمامي» ـ الَّذِي ورد اسمه فِي أحدِ نصوصِه الشعرية ـ مَعَ بعضِ رفقته مِن أبناءِ الجيران؛ لأجلِ أنْ يأكلوا رمانة أو رمانتين، إضافة إلى قطفِ عنقود عنب غير ناضج، وَالَّذِي يطلق عليه العامة اصطلاح «الحصرم». وَالْمُلْفِتُ أَنَّ السَمَاويَّ كان شغوفاً بتسلقِ النخل العالي، وَحدث ذات مرة أنَّ خالَه رسول «رحمه الله» أخذه إلى السينما لمشاهدةِ ـ فلم طرزان ـ وَهي المرة الأولى الَّتِي يدخل فيها السينما، وبعد مشاهدته الفلم، استثمر قرب بيت جده مِن البُستان، وَعمدَ إلى خلعِ دشداشته ليمثل دور طرزان، وَجعل شقيقه محمد يمثل دور القرد «شيتا»، وَحين تسلق النخلة سعياً فِي محاولةِ القفز مِنْ سعفةٍ إلى سعفة أخرى، لَمْ يحالفه الحظ، حيث أخفق فِي جعلِ قدمه تجد لها مستقراً عَلَى السعفةِ الأخرى، مَا أفضى إلى ارتطامِ جسمه بجذعِ النخلة وَسقوطه مِنْ أعلَى الشجرة إلى الأَرْض وَقد امتلأ صدره بالخدوش، فركض شقيقه هارباً نحو البيت، وَالَّذِي يفترض به مساعدته بوصفه يمثل دور القرد شيتا، إلا أَنَّه فوجئ بخروجِ خاله «رحمه الله» ليس بقصدِ إعانته، بل مِنْ أجل إشباعه ضرباً.
كبرتُ ولايزال الخوفُ طفلاً
وقد صار «الرفاقُ» إلى ذئابِ!
تطاردُ مقلتي منهم طيوفٌ
فعزَّ عليَّ يا أمي إيابي
وعزَ على يديك تَمَسُّ وجهي
لتمسحَ عنه وَحْلَ الاغترابِ!
وعزَّ.. وعَزَّ.. حتى أنَّ عِزّي
غدا ذُلاً فيا لي من مُصابِ!
وعاقبني الزمان وهل كنأيٍ
بعيدٍ عن بلادي من عِقابِ؟
تقاسَمَتِ المنافي بعض صحبي
وبعضٌ آثَرَتْهُ يدُ الغيابِ
ولولا خشيتي من سوءِ فهمٍ
وما سيقالُ عن فقدي صَوابي
لَقلتُ: أَحِنُّ يا بغداد حتى
ولو لصدى طنينٍ من ذُبابِ!
لِوَحْلٍ في العراقِ وضُنْكِ عيشٍ
جِوارَ أبي المُدَثَّرِ بالترابِ
جوارَ أُخيَّةٍ وأخٍ وأمٍ
وأحبابٍ يُعَذِّبُهم عذابي!
أبا الحرف البليغ وهل جوابٌ
كصمتي حين أعجزني جَوابي؟
بلى.. لم ألقَ مثل عرارِ نجدٍ
ولا كرحابِ مكةَ من رحابِ
ولا كعشيركم أهلاً وصحباً
ولا كحصونكم دِرْعاً لما بي
عشقتُ ديارَ ليلى قبل ليلى
فَمِنْ رَحمِ الصِّبا وُلِدَ التصابي
ولكن شاءتِ الأيامُ مني
وشاءَ جنونُ طيشي من لُبابي
ولستُ بِمُبْدلٍ كأساً بكوزٍ
ولا لهواً بِعِفَّةِ «ذي نِقابِ»
أنا البَدويَّ.. في قلبي عِقالٌ
و(َيَشْماغٌ) ولستُ بِمَنْ يُحابي
إذا كان العراقُ رغيفَ روحي
فإنَّ عَرارَ واديكم شرابي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى