النسخة الرقميةثقافية

رحيل أستاذ المسرح بدري حسون فريد

عبد الجبار العتابي

نعت الأوساط الفنية والثقافية في العراق رائد المسرح العراقي الفنان الكبير (بدري حسون فريد) الذي وافاه الاجل مساء الجمعة في أحد مستشفيات مدينة أربيل عن عمر ناهز الـ٩٠ عاما، بعد صراع مع الشيخوخة والمرض امتدت لأشهر عديدة، ولا سيما بعد اصابته بجلطة دماغية مفاجئة في شهر تموز الماضي أثرت بشكل كبير
في صحته.ويعدّ الفنان الراحل واحداً من كبار فناني العراق الذين يشار اليهم بالموهبة والابداع والسيرة الفنية الطيبة، وان ابتعد عن العراق لمدة 15 عاما.
وقد غادر العراق في نهاية عام 1995 ليستقر في المغرب حيث عمل مدرساً لمادة التمثيل في جامعة الرباط، وعاد الى بغداد عام 2010 لكنه لم يستقر فيه طويلا لظروفه الصحية فسافر الى اربيل لتكون المحطة الاخيرة في حياته التي رافقته فيها زوجته الفنانة إبتسام مغازجي.
سيرة وعطاء
وللراحل سيرة فنية غنية بالأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائبة والاذاعية والآكاديمية تمتد من عام 1946، ويعد الخريج الأول في معهد الفنون الجميلة من مدينة كربلاء عام 1955، وقد اقتصر نشاطه الرئيس في العاصمة بغداد، ويذكر عنه انه كان دقيقاً ومخلصاً ومتفانياً في عمله, حتى أنه باع في يوم ما سجادة (زولية) من البيت كي يقدم مسرحية! كانت حياته كلها للمسرح.. كانت أعماله تسبب له مشاكل مثل الاعتقال، وفي بيته يحتفظ ببطانية و وسادة مع كل عرض مسرحي.
ولد الراحل في 15 نيسان 1927 ولد في محلة العباسية بمدينة كربلاء، كان والده خياطا يحب الموسيقا والأزهار وكل شيء ممتع وجميل، ويقال أنه أول من أدخل جهاز كرامفون من بغداد إلى كربلاء، كان لوالده علاقة صداقة وثيقة مع والد الفنان الرائد الراحل المسرحي حقي الشبلي، أي أن والد الفنان بدري كان جنديا عند والد الشبلي أيام ثورة العشرين، من خلال هذه العلاقة توطدت علاقة والده بالفنان الشبلي نفسه.
أول مسرحية شاهدها بدري بمصاحبة والده كان عنوانها (السلطان عبد الحميد) تقديم فرقة حقي الشبلي وإخراج الشبلي، عرضت في خان القطب وسط مدينة كربلاء القديمة عام 1933 وعمره لم يتجاوز 6 سنوات، بعد أربع سنوات أي في سنه العاشرة الموافق عام 1937 شاهد عرضا مسرحيا قدمته المدرسة الفيصلية بعنوان (الطيش القاتل) إخراج الفنان قاسم محمد نور، كان تأثيرها كبيرا في نفسيته خلال تكوين شخصيته الفنية.
عاش في بيت والده المتزوج من أربع نساء، بدأ شعوره بحساسية الآلام النفسية التي تعيشها الزوجات والأطفال، جراء تسلط الأب، كان واحدا من عشرين شقيقا يجمعهم بيت واحد، وما زاد في صعوبة الحياة في هذا البيت شخصية الأب ـ القهرمان كما يسميه بدري حسون فريد، التي كانت تجمع بين القسوة والحنان، المحبة والأنانية وقوة الشخصية, كان (بدري) ضعيف الإرادة. منذ صغره أصبح جسمه مرتعا لأمراض كثيرة، امتصته حتى اقتربت به إلى الموت، لذلك فقد نشأ طفلا، خائفا، مرتعدا، يحس بالانهيار النفسي، خلاصه الوحيد أن يهرب من البيت ومعاركه وهمومه ومشاكله وقسوة الأب (القهرمان) ليلجأ إلى الحدائق العامة، يعيش مع أقرب شجرة أو نبته أو زهرة.
الشيء الوحيد والمهم الذي إستفاده بدري حسون فريد من حياته في ذلك البيت، حب والده للفن، وذوقه الفني الذي جعله يحرص أن يكون بيته متحفا شرقيا أصيلا يضم مئات الصور واللوحات والتماثيل والديكورات، إضافة لاقتنائه مئات الأسطوانات الموسيقية والغنائية باللغات العربية والفارسية والتركية والهندية. ليس هذا فقط وإنما كان حبه للفن يدفعه لحضور جميع عروض الفرق المسرحية التي كانت تزور كربلاء في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وعلى الأخص فرقة حقي الشبلي وعبد الله العزاوي ويحيى فائق وغيرها من هذه الفرق، كان بدري يحضر هذه العروض مع والده الذي كان يصطحبه معه، لأنه كان يكن له اهتماما خاصا بالنسبة لأشقائه الآخرين.يقول بدري حسون فريد: منذ تلك المدة أحببت الفن وعشقته عشقا ملك حياتي، لا أدري لماذا عشقت الفن هكذا وبقوة ؟، ربما لآني أردت التنفيس عن مشاعر الحرمان التي كنت أعيشها في طفولتي، أو الهرب من الدراما الحياتية التي كنت أشاهدها تمثل يوميا في بيتنا، أو ربما للتعويض عن ضآلة جسمي، وضعف شخصيتي في طفولتي، أو ربما كان الجو الديني والطقوس التي تؤدّى في عاشوراء بمدينة كربلاء وما كان يصاحبها من رفع المشاعل والأعلام الملونة وترديد الأهازيج وتمثيل مأساة الحسين (ع)، هو الذي حرك خيالي الفني وأشعل في نفسي مشاعر الدراما وكون لي مخيلة درامية جعلتني أرتبط بالمسرح.
كانت بداياته الأولى رساما ونحاتا وكتابة الشعر والقصة والتمثيل وفي الآخر ترك كل تلك الفنون وانصرف للمسرح (التمثيل)، عطاؤه كثير ملأ الساحة العراقية والعربية من خلال الوسائل الفنية المختلفة منها: ـشارك في مدينته كربلاء من خلال دراسته الابتدائية والثانوية في معظم النشاطات الفنية وخاصة المسرحية في مراحل ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي والموضحة تفصيليا في عروض المدة المذكورة تباعا .
انتقل إلى بغداد طالبا في كلية الحقوق، عمل مع فرقة جمعية بيوت الأمة مع الفنان الكبير الراحل جعفر السعدي عام 1946 لغاية 1947، التحق بمعهد الفنون الجميلة في السنة الدراسية 1950 ـ 1951 وفي نفس الوقت كان يزاول نشاطه الفني في الفرقة الشعبية للتمثيل مع الفنان جعفر السعدي وجاسم العبودي.
سافر عام 1961 إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته العليا في جامعة شيكاغو, معهد شيكاغو الفني، وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير وكان ترتيبه الأول على دورته، قدم هناك أعمالا كبيرة و عالمية على المسارح الأمريكية منها مسرحية (الطريق إلى الهند) شاركه في التمثيل الفنان الراحل ابراهيم جلال, كانت من إخراج المخرج الأمريكي جالرس ماكو، ثم كان له دور البطولة في مسرحية برنادشو (المليونيرة) التي أخرجها د. جون رايخ عام 1963 ومسرحية (الأم الشجاعة) إخراج جو سلوك عام 1964، ثم مسرحية (أنا كارنينا) إخراج مدام ليان و مسرحية (كريسيتفورسين) إخراج رايخ، إضافة لأدوار كثيرة في مسرح الاستوديو.
كانت اطروحة البكالوريوس إخراج مسرحية (رحلة طويلة عن الوطن) ليوجين أونيل عام 1964 أما اطروحة الماجستير مسرحية (الشارع الملكي) تأليف تنسي ويلمز عام ١٩٦٥،ومن شيكاغو عاد الى بغداد عام 1965 والتحق بمعهد الفنون الجميلة ليدرس الإخراج والتمثيل والصوت والإلقاء، ثم انتقل عام 1970 ـ 1971 للتدريس في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.
وحسب الناقد السينمائي مهدي عباس: رحلة الفنان فريد مع السينما العراقية اثمرت 6 أفلام فقط خلال 30 عاماً! اول أفلامه هو فيلم (ارحموني 1958) للمخرج الراحل حيدر العمر وادى فيه دور إبراهيم الشاب اللعوب المستهتر الذي يسلب بطلة الفيلم شرفها.
في عام 1962 ظهر في فيلم كامل العزاوي (نبوخذ نصر) بدور احد القادة ثم منحه المخرج الكبير صلاح أبو سيف دور المثنى بن حارثة الشيباني في فيلم (القادسية 1981) واداه بشكل مميز.
في عام 1985 ظهر في افضل ادواره على الشاشة الفضية في فيلم المخرج السوري محمد منير فنري (العاشق) حيث أدى دور الضابط البريطاني الحاكم بشكل مميز استحق اشادة الجمهور والنقاد. في عام 1988 منحه المخرج الكبير فيصل الياسري دور مسيو بومارشيه رجل الاثار الفرنسي في الفيلم العراقي المصري المشترك (بابل حبيبتي) مع هند كامل ويحيى الفخراني واحمد عبد العزيز. المحطة السينمائية الأخيرة كانت عام 1988 أيضا مع المخرج الكبير محمد شكري جميل وفيلم (عرس عراقي) عن سيرة عروس مندلي الشهيرة ابان الحرب العراقية الإيرانية.
قال الفنان راسم منصور: رحل أعظم سلوك مسرحي عراقي، رحل المعلم والقائد، رحل الرجل الذي حياته تشبه عرضاً مسرحياً فذاً لن يتكرر، رحل أستاذي الذي تأثرت به كأني لم أتأثر بفنان مسرحي غيره، رحل الذي لن تنجب مثله خشبات وكواليس المسارح، رحل العظيم (بدري حسون فريد).
واضاف: عزائي لأصدقائي حيدر وفريد أبنائه، وقبلهم عزائي للآرواح المسرحية العظيمة ولشعب أنجب هذا الفذ وللانسانية جمعاء.
اما المخرج المسرحي كاظم نصار فقال عنه: منذ التسعينيات انسحب من الحياة المسرحية وعاش وحيدا غريبا في الرباط لسنوات طويلة وعاد للغربة في بلاده من جديد.
آخر مرة التقيته كانت أثار الحزن والغربة والاحتجاج والخيبة وكان يتكلم بألم وحسرة على ما آل إليه وضعنا ووضع بلادنا من نكبات وأحزان.واضاف: اليوم يرحل الى السماء استاذنا الفذ و واحد من المواهب النادرة في عالمنا شخصية علمية و وطنية وفنية استثنائية، اليوم يرحل من بيته في اربيل الى ربه الأعلى. وحسب المعلومات الحزينة أن الخيرين يسعون للحصول على موافقة وزارة النقل لنقل جثمانه الشريف الى بغداد او كربلاء مسقط رأسه وميدان طفولته وصباه.
وصيته الأخيرة
قال الفنان الراحل بدري حسون فريد في إحتفالية اُقيمت له بعد عودته الى بغداد: ان ودعتكم قريبا أو بعيدا فاكتبوا في وصيتي (إني لم اُغنِ أغنيتي بعد)!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى