رسائل من الجنوب إلى الجنوب

احمد الغازي/ شاعر وقاص مغربي
1
عزيزي أحمد
فكرت مليا في وسيلة أكسر بها هذه الرتابة التي تعودت عليها هنا في هذا الدوار. فلم أجد من بديل غير أن أكتب لك. أنا الآن في بيتنا رفقة إخوتي الصغار، انتهيت للتو من هضم وريقات من رواية الشاعر للمنفلوطي. ربما تتساءل كيف أمل الآن وما الجديد في حياتها؟ لا جديد صديقي، فمنذ أن حكمت علي الأعراف بمغادرة الدراسة وأنا هنا أتدحرج بين الحجرات. هل تعلم شيئا؟ ممتنة لك كثيرا لأنك أرشدتني إلى طريق المطالعة و مصاحبة الروايات. بدونها لا أتصور حياتي ستكون هكذا.
عزيزي، هذه أول رسالة لك، أنسجها من خيوط متقطعة، أبوح لك من خلالها بما تختزنه نفسي من ألم وحسرة على ما آلت إليه الأوضاع في مدينتي. لا شك أنك تتابع الأحداث الأخيرة في زاكورة. في الأيام الماضية نظم السكان احتجاجات سلمية يطالبون بالماء، كنت أود الحضور. أنت تعلم أني أكره الظلم. لكن للأسف، الأعراف ومنطق القبيلة يتحكم هنا في الدوار. أبي منعني من ذلك واكتفيت بمتابعة الأخبار عبر صفحات التواصل الاجتماعي.
الأمر محزن حقا.
علمت أن الأطفال الذين تم اعتقالهم زج بهم في السجن بعد قرار المحكمة. ولا أحد حرك ساكنا عزيزي. الأمور هنا سيئة جدا، لا يعلم بحالتنا إلا الله.
الفقر ينخر السكان، شروط الحياة منعدمة، وهل تدري ما يثير الغرابة؟ الناس هنا أكثر السكان تشبثا بالنظام الحاكم ربما خوفا و ربما طوعا، برغم أنهم يذبحون ويسلخون كل يوم إلا أنهم لا يطلبون سوى السلام والسلم ويتعايشون مع الظلم بكل تجلياته.
عزيزي أعتذر. قد أكون أرهقتك بهذه التفاصيل. أنت تعلم الواقع أكثر مني. لكن بحكم بعدك وغربتك في مدينة كلميم قررت أن أكتب لك و أتقاسم معك أشجاني.
هذه رسالتي الأولى لا أريد الإطالة عليك أتمنى أن تكون بخير. أكتب لي في أقرب وقت.
صديقتك أمل.
2
عزيزتي أمل
تأخرت كثيراً عن الرد. لكن اعذريني! الحياة تفاجئنا دائماً. ففي اللحظة التي أخذت السمارت فونغ لأكتب لك، اجتاحتني عاصفة من الحمى. عصفت بي وصرت أكح وأعطس. ولم أعد قادراً على ضبط اضطرابي. صعب أن تكون مريضا و وحيدا مستلقيا، لا معين. وحده الرب يبعث في روحك الحياة. والأصعب عزيزتي حين يتزامن المرض مع آخر الشهر.
ستتساءلين ما الرابط بين آخر الشهر والمرض؟. اعلمي يا أمل أن آخر الشهر عند المعلم كآخر الأسبوع عندكم في الدوار، تنتظرون يوم الإثنين بشوق: يوم السوق.
الآن أعتقد أنك أدركت المغزى: لا دواء.
لأن الأجرة الشهرية أوزعها حوالات عبر البريد؛ يصعب على المبلغ أن ينافس أيام الشهر في طولها.
نصك كان لغما قابلا للانفجار. أعي جيدا الحياة هناك. والمعذرة إن أزعجتك بأخبار المرض. تعافيت والحمد لله.
قرأت الرسالة مرات عديدة و وجدت شيئا ما يجمعنا. إنها الرغبة في الحياة. الرغبة في الخروج من الإطار.
سعيد لأنك صديقتي، كيف وجدت رواية الشاعر؟ أتعلمين شيئا؟ أنت استثناء. استطعت بين كل بنات الدوار أن تقرئي رواية عوض أن تتابعي حلقات مسلسل «سامحيني». أحيانا يعجز العقل عن التفكير والتحليل. ذات يوم زرت عائلة صحراوية، و وجدت الأب والأم والأبناء منغمسين في الحكاية، حكاية «سامحيني». لم يعيروني اهتماما، كان كل تركيزهم منصباً على الممثلين والممثلات حتى لا تفلت لهم أية لقطة. خرجت البنت الكبرى وبعد نصف ساعة عادت. وأنهيت أنا قراءة مقال مطول حول التنوير. والأسرة ما تزال في رحلتها التلفزيونية. كبرت شخصيات المسلسل وراكمت ما يكفي من الثروة. والأم ما زالت تردد: «مسكين منتصر ما يستاهل».
هنيئا لك.
الحياة هنا أيضا مملة. بالنهار يدخل الناس إلى منازلهم وحين تميل الشمس إلى الغروب يخرجون ويتوزعون على المقاهي والشوارع. تبضع، تحرش من كلا الجنسين، سجائر، متسولون ومتسولات، بائعات هوى، كبت، الناس يصرخون في صمت.
عزيزتي، ما أخبار عائلتك؟ وهل من جديد في الدوار؟ صدقا اشتقت للأصدقاء هناك صغارا وكبارا. اشتقت لتلك الجلسات مع شيوخ الدوار. لتلك البراءة المرسومة على وجوه الأطفال الصغار وهم يتمرغون في التراب ويجرون حفاة. لكن يؤلمني كثيرا وضع النساء وهن يحملن قنينات الماء على ظهورهن أو مستعينين بالدواب، آتين من بئر بعيدة نبتت على هامش الدوار. مرة تجود بسطل ماء ومرات يستحوذ عليها البخل.
قبل ان أختم الرسالة أود أن أشكرك على شيء وحيد.
شكرا لأنك تقرئين. محبات أيتها العزيزة.
صديقك احمد



