أعمالنا في ميزان الإيمان بالغيب

بالإيمان بالغيب يتمكّن الإنسان من توجيه جميع طاقاته الفكريّة لدراسة سنن الله في الكون، والاستفادة من ذلك في تنمية ذاته ومجتمعه في كل المجالات، ومن إعطاء المعنى الإيجابيّ للحياة، والعيش بين الناس بسلامٍ وأمان، وربط الإنسان بالمصير والجزاء الذي ينتظره وإدراك الغاية من وجوده (الإيمان بالآخرة). ولكي يتمكّن الإنسان من الارتباط بالغيب ارتباطاً وثيقاً فقد منّ الله تعالى على خَلقه بأن سهّل له سبل العلاقة به، من خلال ما شرّعه في نظام العبادات من صلاة، وصوم وحج، بهدف أن يرتقي الإنسان بروحه، ويتكامل في إيمانه، ويتّزن في سلوكه…وسّع الله للإنسان العبادة لتطلق -بحسب الروايات- على كلّ ما يصدر عن الإنسان المسلم من أقوال وأفعال وأحاسيس استجابةً لأمر الله تعالى، وتطابقاً مع إرادته ومشيئته، فلا حصر ولا تحديد لنوع الأعمال التي يُعبد بها الله…لذا، يتّضح أنّ هذا الإنسان لا يتحرّك في هذه الدنيا قيد أنملة دون أن يكون عمله وسلوكه منعكسَين عن إيمانه واعتقاده بالغيب، وبالتالي ما يصدر عنه، سواء كان عملاً منصوصاً في السنّة الشريفة، أم عملاً يرتبط بأصل أو تشريع عامّ وكلّي في الشريعة الإسلامية، أو ممّا اصطلح عليه «التسامح في أدلّة السنن» عند العلماء، فإنّه ما دام يدور في دائرة الطاعة والإيمان بالغيب لا يخرج عن دائرة الطاعة إلى عناوين أخرى كالبدع والشعوذات ونحوها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض النماذج في هذا السياق:
طلب الرزق
عندما نقرأ سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام نجد الكثير من الأدعية في طلب الرزق، موزّعة على أوقات متعدّدة من الليل والنهار، ولا سيما بعد الصلوات الواجبة والمستحبة، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في طلب الرزق عقب صلاة العشاء الآخرة، ومنها ما ورد في دعائه دبر صلاة الليل: «يا خَيْرَ مَدْعُوٍّ، وَيا خَيْرَ مَسْؤُولٍ، وَيا أَوْسَعَ مَنْ أَعْطى، وَيا خَيْرَ مُرْتَجى، اُرْزُقْني وَأَوسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ، وَسَبِّبْ لي رِزْقاً مِنْ قِبَلِكَ، إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». وكذا ما ورد في مفاتيح الجنان في موارد متعدّدة، ويمكن جمعها في ثلاثة محاور وهي: أصل طلب الرزق، طلب السَّعة في الرزق، وطلب الرزق الحلال «وسَعةً في الحال من الرزق الحلال»، و»يا من لا يبسط الرزق إلّا هو» و»توسّع عليَّ من الرزق الحلال» وغيرها الكثير من الأدعية والأذكار.والملاحظ في مضامين هذه الأدعية أنّها تستند إلى الاستغفار والتوبة، وتنطلق من التوحيد في الرازقية وتسليم الأمر إلى الله، وهذا ما يدلّ على أن الأئمة عليهم السلام يعودون إلى الله تعالى في طلب الرزق، كما يتوكّلون عليه سبحانه وتعالى في الجانب العملي في كلّ أمورهم، وعلى أنّ سيرتهم التربوية تقوم على هذه العلاقة الصحيحة بالله التي ترتكز على التوحيد لتنطلق منه في كلّ الاحتياجات الدنيويّة بغض النظر عن مصاديقها. ولا نفهم من هذا السلوك العمليّ إلّا الأئمة عليهم السلام يؤسّسون للعلاقة الصاعدة بالله تعالى بالدعاء والذكر والصلاة؛ لتكون العلاقة النازلة من الله استجابة للطلب بسعة الرزق الحلال. وبهذا يكون طلب الرزق من الله تعالى ممارسة عبادية منسجمة مع عقيدة المسلم وإيمانه.
آثار النذور
النذر هو الالتزام بعمل لله تعالى على نحو مخصوص، يتضمّن التزام المسلم بفعل أو ترك. وتارة يكون في البِرّ ويقال له «نذر المجازاة»، وهو ما نذره شكراً لله على نعمة أو دفع بلية، كأن يقول: إن رُزقتُ ولداً فللّه عليّ كذا، وأخرى «نذر الزجر»، وهو ما نذره عند فعل حرام مثلاً زجراً لنفسه وعقاباً لها كأن يقول: إنْ فعلتُ حراماً فسأصلّي ركعتين، وثالثة «نذر التبرّع» وهو ما كان مطلقاً ولم يعلّق على شيء.وعندما نتأمّل في الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام نجدها تحدّد مضمون النذور في استحباب اجتذاب الخير، واستدفاع الشرّ بالله تعالى، كنذر الصوم شكراً لله في المرض، وكنذر التصدّق لله تعالى أو القيام بعمل عباديّ شكراً وطاعة لله تعالى، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7). والشكر كما يرى الإمام الخمينيّ قدس سره… «حالة نفسية ناجمة عن معرفة المنعم والنعمة وأنّ هذه النعمة من المنعم، وتُنتج من هذه الحال الأعمال القلبية القالبية (العمل بالجوارح)».النذر، إذاً، يعبّر حقيقةً عن حالتين ترتبطان بسلوك المؤمن وعلاقته بالله تعالى:الأولى: حالة اللجوء إلى الله وتسليم الأمر إليه بإلزام النفس بعبادة أو فعل من الأفعال الراجحة شرعاً شكراً له تعالى..والثانية: حالة الطلب من الله في مثل هذه الموارد، وما لهذا الأمر من بُعد عقائديّ وإيمانيّ يرتبط بالجانب العمليّ لتوحيد الله تعالى،فالنذر وشبهه ممارسة إيمانية راجحة لها بعدها العمليّ والعقائديّ، ولا تشكّل سلوكاً خارجاً عن دائرة الإيمان والعقيدة والالتزام العمليّ بأحكام الشريعة الإسلامية.
آثار الدعاء
الدعاء باب من أبواب الرحمة الإلهيّة فتحه الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60) ليعودوا إليه ويرتبطوا به ويطلبوا جميع حاجاتهم الدنيوية والأخروية لأنفسهم أو لغيرهم. وليس من بُخل وشُحٍّ في ساحته تعالى، فلا يُعجزه شيء، ولا يَضيق ملكه بشيء من العطاء، ولا يبخل على عباده بإجابة حاجاتهم. والدعاء محفوف برحمة الله من جانبين: بالتوفيق من جانب الله، وبالاستجابة من الله تعالى، فلا يُقبل العبد على الدعاء إلّا بتوفيق من الله، ومن دون أن يرزق الله تعالى عبده التوفيق للدعاء لا يوفّق العبد للإقبال على الله في الدعاء. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من فُتح له من الدعاء منكم فُتحت له أبواب الإجابة»…فنقرأ ونسمع الكثير عن كرامات أهل البيت عليهم السلام في قضاء الحوائج، كشفاء المرضى وغيره. والروايات تحدّثنا عن كرامات لهم من خلال التوسّل بهم إلى الله تعالى،ونكتفي بإيراد بعض النصوص التي تضيء على هذا الأمر، حيث لا مجال لذكر الأدلّة الكاملة على صدور ذلك منهم. فبالإضافة إلى كونهم أهل العصمة والطهارة بنصّ القرآن الكريم، يمتازون بأنهم عليهم السلام:عندهم علم الكتاب: عن أبي جعفر عليه السلام في تبيانه قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 43): قال عليه السلام: «إيّانا عنى وعليٌّ أوّلُنا وأفضلُنا وخيرُنا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم»…وباب معرفة الله تعالى: عن الإمام الباقر عليه السلام: «إنّما يعرف الله عزّ و جلّ ويعبُده من عرف الله وعرف إمامَه منّا أهل البيت». وقال عليه السلام: «نحن خزّان علم الله، ونحنُ تراجمَةُ وحي الله»..يعلمون الغيب إذا شاؤوا: سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن الإمام: هل يَعلم الغيب؟ فقال: «لا ، ولكن إذا أراد أن يعلم الشّيء أعلمَه الله ذلك»..والنتيجة: إنّ من عنده علم الكتاب، ومن هو باب معرفة الله تعالى، ومن هو خازن علم الله وترجمان وحيه، وبإمكانه معرفة الغيب، لا يعجز عن أن يكون الوسيلة إلى الله تعالى لكلّ عباد الله بقضاء الحاجات في الرزق والشفاء وغيرهما، على تفصيل في محلّه.



