إتباع الهوى والإبتعاد عن الله


إن النفس الإنسانية رغم كونها مفطورة على التوحيد والعقائد الحقة،إلا أنها في نفس الوقت منذ ولادتها وخروجها إلى هذا العالم تنمو معها الميول النفسية والشهوات الحيوانية، فالإنسان منذ ظهوره وبعد مروره بمراحل عدة لا يعدو أن يكون حيواناً ضعيفاً لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلا بقابلياته الإنسانية، وهذا الأمر يشمل نوع الإنسان بشكل عام وإن كان يستثنى منه بعض الأفراد الذين شملهم اللطف والعناية الإلهية الخاصة وكان عليهم حافظ قدسي، ولكنه استثناء نادر جداً,فالإنسان عند دخوله هذا العالم تكون الصفات الحيوانية هي الفعالة فيه، فلا معيار له سوى شريعة الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب. وبالإضافة إلى هاتين القوتين نجد الإنسان صفات أخرى لم تكن ممكنة عند الحيوانات، وهي مثل الكذب والخديعة والنفاق والنميمة وسائر الصفات الشيطانية الأخرى التي يجمعها كلمة «هوى النفس» والتي يلجأ إليها الإنسان ليدبّر أمور القوتين الأوليين، وهو بهذه القوى الثلاث (الغضب والشهوة وهوى النفس) يخطو ويتقدم وينمو، وتنمو معه هذه القوى الثلاث وتتقدم وتتعاظم، وإذا لم تقع تحت تأثير المربي والمعلم، فإنه يصبح عند الرشد والبلوغ حيواناً عجيباً يسبق حتى الحيوانات والشياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام الحيوانية والصفات الشيطانية من الجميع!،وستنطفئ فيه جميع الأنوار الفطرية وبالتالي فلن يصل لشيء من المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ومن هنا يتضح أن ميزان البعد عن الحق هو اتباع هوى النفس، وبمقدار التبعية يحصل البعد,فإن رغبات النفس وآمالها لا تنتهي، فإذا اتبعها الإنسان بخطوة واحدة، فستستدرجه للثانية ثم الثالثة وهكذا… فبفتحك باباً واحداً لهوى نفسك فإنك ستصل إلى فتح كل الأبواب وستبتلى بآلاف المهالك، حتى تنغلق جميع طرق الحق بوجهك – لا سمح الله – وهو أكثر ما يخشاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام)،فهو باضطراب لئلا تضمحل وتسقط أوراق شجرة النبوة والولاية،ولذلك كان يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم ولو بالسقط»فإذا كنت على صلة برسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن محبي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولادهما الطاهرين (عليهم السلام) فاسعَ لكي تزيل عن قلوبهم المباركة القلق والاضطراب,وإن اليقظة هي أول منزل من منازل الإنسانية كما يقول كبار أهل السلوك في بيانهم لمنازل السالكين ، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى أنه مسافر، والمسافر لا بدَّ له من المسير، وأن له هدفاً يجب الحركة نحوه، وأن الوصول ممكن، وما لم يلتفت إلى هذه الأمور فلن يكون له عزم وإرادة,وإن من أهم أسباب عدم اليقظة هو أن يظن الإنسان أن هناك متسعاً من الوقت للبدء بالسير، وأنه إذا لم يبدأ اليوم فسيبدأ غداً,وإن طول الأمل هذا والظن بطول البقاء والرجاء بسعة الوقت والأمل بالدنيا، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساس الذي هو الآخرة، ويبعث الإنسان على نسيانه وعدم التزود لهذا السفر، ومن لم يتهيأ لهذا السفر الطويل المحفوف بالمخاطر ولم يعدّ العدة مع ضيق الوقت فسيتعثّر ويسقط أثناء الطريق ويهلك دون أن يهتدي إلى سبيل.



