شغف في التاسع من آب


ديمة الشكر/ كاتبة سورية
في دردشة مع صديق شاعر، جاءت سيرة مجلة شعر الشهيرة، فقال فوراً إنها الأهم والأفضل. ويظهر أن مرور أزيد من خمسين عاماً على إنطفاء شمعة عمرها القصير (1957 ـ 1964)، لم يبدل شيئًا من مقولة رائجة أضحت بدهية ومسلمة في آن: مجلة شعر هي الحداثة عينها.قول غير وجيه وغير صائب بالطبع، إذ ينطلق من مديح الشعر العربي الحديث بشقّه «قصيدة النثر» فحسب، ويبالغ حدّ سحب الأمر برمته صوب «الحداثة» في الثقافة العربية، جاعلًا من المجلة ذات الانتشار الضعيف في زمن صدورها، أدنى إلى أيقونة لا تُمس. حظيت «شعر» بمرتبة ازدادت رفعة بدءاً من ثمانينيات القرن المنصرم. مقالات أكثر من أن تعدّ تردد مقولة واحدة بتنويعات لفظية: مجلة شعر هي الأولى والأخيرة، هي الحداثة، غيّرت خارطة الشعر العربي. وكتابان اثنان – على الأقل: «يوسف الخال ومجلته شعر»، لجاك أماتاييس، و»مجلة شعر اللبنانية وأحد رموزها أنسي الحاج: فهرسة وتحليل لمضمون مجلة شعر ودراسة لإبداع أنسي الحاج الشعري»، لدنيا بورشيد. وإن كان الفرق كبيراً بين الكتابين المذكورين.
أخطاء كثيرة ومغالطات ومبالغات وتضخيمات حول وحيال مجلة «شعر»، تبطن في النهاية تقليلًا مزعجاً من شأن الثقافة العربية وإنجازها شعراً على الأقل. إذ ستبدو الثقافة العربية صغيرة وضحلة تلزمها مجلة واحدة (لمدة قصيرة) فحسب، لتقفز إلى الحداثة أو ربما إلى الما بعد حداثة، فمن يدري؟
لم تنفرد مجلة «شعر» وحدها بمشهد الشعر العربي الحديث، كان ثمة أخوات لها، قرينات في حبّ الاختلاف، انطفأن مثلها؛ الأديب (ألبير أديب)، حوار (توفيق صايغ)، أبوللو (زكي أبو شادي). تضخيم دور «شعر» بدأ على الأرجح في الربع الأخير من القرن العشرين، عبر مقالات متفرقة وفصول في بعض الكتب، نظرت في قصيدة النثر وبداياتها، وازداد التضخيم كلّما امتد الزمن، عبر ما كتبه شعراء قصيدة النثر (الجيل الثاني والثالث) من مقالات شتّى.
بيد أن الحداثة العربية شعراً وثقافة، ونظرة إلى الهوية، وإنجازا وفكرا، وتطلعا – وهو الأهم -، نجدها أكثر في مجلتين اثنتين: مجلة الناقد 1987 – 1995 (رياض نجيب الريس)، ومجلة الكرمل 1981 – 2006 (محمود درويش)، التي توقفت لسنوات قليلة في التسعينيات، ثم عاودت الصدور عام 1996.
لمجلة الناقد مزايا عديدة، تظهر في إنجازها الملموس؛ فغالبية من ساهم فيها ما زال إلى اليوم كاتبا مستمرا في مضماره، وتكفي نظرة واحدة إلى فهرس أي عدد من أعدادها للتأكد. فضلًا عن أنها أثارت جدلًا وقضايا تتعلق بالمحظورات الشهيرة، وفتحت باب السجال بكتابات: «من نقد قمع السلطات، إلى تناول مسائل مسكوت عنها في الإسلام، إلى موضوعات الجسد والجنس والتراث الممنوع والتواريخ المجهولة، إلى النتاج الأدبي (الجريء) و(الصادم)، كانت تتسق مع عبارة «مثيرة للجدل»، من دون إسفاف أو اصطناع إثارة أو مبالغات وابتذال»، وفقًا لتعبير الشاعر اللبناني يوسف بزي. وبالطبع لا يمكن إلا ذكر نقطة أخرى مهمة، في انفتاح المجلة على كل العرب من المحيط إلى الخليج، شيء أدنى إلى «لم شتات الثقافة العربية» والتعبير أيضًا ليوسف بزي. وإن كانت الناقد الأنيقة مزدانة بأغلفتها الملونة والرسوم الداخلية لنذير نبعة وغيره من الفنانين، فإن مجلة الكرمل عزفت عن هذا كله، و»تقشفت» جماليا، إن جاز التعبير، أمّا «الترف»، فكان من نصيب الكتابات فيها.
تميّزت الكرمل برصانة ورزانة رفيعتين لم تبلغهما قبلها أية دورية عربية، واستطاعت رغم الأمواج السياسية المتلاطمة في سنوات صدورها (الاجتياح الإسرائيلي، حرب المخيمات، حرب الخليج، وصولًا إلى أوسلو وما بعدها) الحفاظ على تلك المرتبة. وهو أمر يعكس إلى حد كبير استقلاليتها المحصنة فعلًا بقوّة حضور محمود درويش والتناغم بينه وبين الكتّاب والمثقفين الذين عملوا معه، سواء في تحريرها أم في المساهمة بملفاتها واقتراحاتها.
كانت «الكرمل» مجلة ثقافية على حافة السياسة، مبتعدة قصدا عن الوقوع في تسييس «رائج» من نوع «البروباغندا»، فلم تُصب على الإطلاق بأعطاب الخطاب الإيديولوجي الذي كان حاضرا على الدوام في دوريات فلسطينية وعربية أخرى، على الرغم من أن «الكرمل» مجلة فلسطينية بطابع عربي. وبالعودة إليها اليوم وفي كل حين، لا نعثر مثلًا على أي من تلك المقولات الجاهزة عن القضية الفلسطينية، ولا تلك التعابير المتكررة التي استهلكها الزمن، فهو المغربل الأقوى. بل نجد فيها فكرا وإبداعا ونقدا وترجمات وحوارات بسوية عالية، وملفات ستغدو مع الأيام مرجعا لا يمكن تجاوزه، كتلك الخاصة بذاكرة المكان عن تجارب عودة بعض الفلسطينيين إلى جزء من مكانهم، أو الذاكرة الثقافية الفلسطينية، أو تلك الخاصة بنقد الصهيونية وكذلك الخاصة بـ»المؤرخين الجدد» الذين حاولوا تفكيك «الرواية التي لا تقهر» لنشوء إسرائيل، ويبدو أنهم «لم يُوفقوا» على أقل تقدير.
كانت الكرمل بعيدة تماما عن «الطبل والزمر»، ولعبة الإصطفافات، منحازة لما هو هادئ ورزين، خفرةً دؤوبة تشبه إلى حدّ كبير صاحبها الذي لا يتكرر. احتجبت من دون بيان ولا من يحزنون. لكنها كوّنت ثقافيا أجيالا من الكتّاب، وغدت مثل مدرسة أو جامعة، لا بدّ من قراءتها، والاحتفاظ بجموعة كاملة أو شبه كاملة من أعدادها. تنتشر «الكرمل» في بيوت الناس، على رفوف مكتباتهم، كما لو أنها سلسلة غير معلنة من كتب لا بدّ من معرفتها، ليستطيع المرء «تفكيك» سياق الزمن المعقّد الذي نعيشه. الكرمل التي نشأت في زمن الاجتياح الإسرائيلي، عاصرت أيضًا العولمة ومصطلحها الأول (الطريف حقًا): «الغزو الثقافي»، وعاشت إلى ما قبل طغيان الإنترنت بقليل، إلى ما قبل الحضور الكلي لرقابة «الأخ الأكبر»، صاحب الأشكال المتعددة ظاهرا فحسب. واجتازت هذا كلّه، وأدّت مهمتها في التنوير والتكوين الرزين. جلست على رفّ المكتبة، متأهبة على الدوام ليدٍ تمتد إليها لتنهل منها وتتعلم، من دون طبل ولا زمر، ولا أفعال تفضيل، مع أنها هي فعلًا الأفضل.



