ثقافية

ترميم خدوش

1428

فضيلة معيرش/ كاتبة جزائرية

صمته القابع بين خدوش الفجيعة ما زال طرياً، بقلبه الصغير أدرك أن وجعه امتطى صهوة مهر جامح لم يروض بعد ، لكن حين تعثر ذات مساء صيف حار بخير لم يستوعبه في أول الأمر، ما كان عليه حينها إلا تأثيث أولويات أوجاعه تباعا، تذكر أنّه امتنع عن الذهاب معهم لعرس ابن خالته الوحيد، فمباراته الرياضية أهم هذا ما قاله لوالده.
حين أًبْلِغَ بالحادثة التي ذهب ضحيتها والداه وأخواه محمد وأحمد.. لمْ تنجُ منه إلا أخته هبة الرحمان ذات السنوات الثلاث، شارف وقتها على الضياع و الجنون.
في الأيام الأولى للحادثة لفته خيوط الصمت الشائكة، والذي حيره أكثر أنه بلغ عيد ميلاده السادس عشر دونهم. فعرف أنه بلغ سن الوحدة وأنهم اتفقوا على المغادرة دونه كما تعودوا.
ومن دون رجعة هذه المرة، تعودوا مفاجأته في أعياد ميلاده السابقة. فهو أكبر إخوته وأكثرهم دلالا، لا أحد تمكن من تفكيك شفرة دمعه المتحجر إلا أخته هبة وهو يتأملها بين أحضان خالته.. طفح دمعه فأطلق سراحه دون مقدمات .تنهدت خالته لطيفة وقالت: ما أصعب القلب الصغير حين يثخن باكرا بالمرارة والمكابرة!!.وقفته بين حافتي الفجيعة والفقد لم تمنعه من مواصلة دراسته وتفوقه، تماهت به اللّحظات وقد إختار الإقامة بمفرده في فيلا والده، لا مفر له من التجوال في فضاء الذكريات الفسيح، هذا ما قاله لعمه ناصر الذي كان لزاما عليه العودة للمهجر.. ربّت على كتفه بمودة قائلا: الأوجاع تبدأ سامقة يا بن أخي، تجعلنا نتصفح الوجوه على عجل، والصمت في حضرتها واجب. ردّ أنيس بكلام مقتضب كعادته وكأن الكلمات تنزلق من بين شفتيه كانزلاق رجلي متزحلق لا يريد أن يترك أثرا في جليد الزّمن: هذا ما كانت تردده جدتي رحمها الله. طلب من عمه قبل مغادرته مساعدته في جلب عمال للعمل كأجراء في محال والده بما فيهم من عتاد، في التنظيف وإصلاح السيارات. بارك له عمه ذلك، مستحضرا فيه صورة والده المحبّ للعمل، نظر عمّه في عينيه وهو يودعه قائلا بشرود مباغت: السيطرة على الوجع شبهة مشْرعة يجب أن ترتكز عنها أنيس أثق بك.
مرّت أعوام وهو يتحسس وحشة الحياة بمفرده أكثر من وحشة الميت في قبره. ذات لحظة وهو يغافل الألم ويتبادل النكت مع رفاقه رنّ هاتفه ليخبروه أنه الأول على دفعته، تنهد والفرح يوشي عيونه مرددا: كنت أعرف أن النجاح وحده يتربص بي صرخ يومها دون شعور منه وسط الحي الذي يقيم فيه كمن يخاطب نفسه: لا أحد يفرح معي.. الكلّ ذهبوا. سمعه الكلّ وبكت معه كلّ العيون التي لا مسها شغاف وحدته بحرقة، تحسس تراب أمّه ووشوش لها: حققت لك أمنيتك.. وسأسجل في كلية الهندسة.
تنهد فوق قبر والده وقلده في ابتسامته، تحسس قبر أخويه متمتما: آه يا قرتي العين اشتقــتكما. مسح بقايا أوجاعه بكم قميصه وانصرف يكمل بقية أفراحهم..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى