فقه الدولة وأبعاده


إنّ محور تطوّر المعرفة, وتوظيف العلم لا ينحصر في دائرة التراث المدوّن أو الموروث وكيفية حفظه وإخراجه بأجمل صورة فنية! وإنما يتشخّص بإنجازات المتعاطي معها؛ وهذا ما نجده متداولاً اليوم في العلوم التقنية والتكنولوجية، إلا أنّ الغمامة التي تلفّ واقعنا هي صعوبة التمييز بين الإبداع وما يشبهه أو ما يغايره, خصوصاً في العلوم الإنسانية ما يجعلنا لا ندرك أننا أمام عقول نعاصرها وضعت لنا ملامح أحد آفاق الإبداع وأنجزت بإبداعاتها أسساً لذلك,لذا لا بدَّ أن نقف عند بوابة علم يعدّ من أهم العلوم التي ترسم دائرة حدود التشريع بين التلقّي والتطبيق,هوعلم الفقه الذي يُشكّل الدائرة التي نعيش فيها مسلمين,وهنا نعرض ثلاثة أضلاع يتشكّل منها مثلث القانون, ولنا أن نعبّر عنه مثلث التشريع, إنْ جاز لنا مثل هذا التعبير, حيث تُعرض هذه الأضلاع الثلاثة في البحوث والدراسات المتعلّقة بفلسفة القانون, وهي كما يلي:(العدالة ، الأمن والاستقرار ، التقدّم والازدهار),وهذه الأضلاع هي التي تعطي تشخيصاً واضحاً لمتطلبات التشريع, ومدى فاعليته, وطبيعة حاجاته فهي مقياس يستخدمه روّاد فلسفة القانون وفقهاؤه لقياس مدى ملاءمة صلاحية هذا التشريع أو ذاك لمتطلبات من وضع له وزمان ومكان تطبيقه,والذي يكشف لنا بوضوح مدى التناسق مع متطلبات الفرد والمجتمع من جهة, ومتطلبات الزمان والمكان من جهة أخرى عبر رباعية الفرز بشكل أساس من خلال:(الفرد والمجتمع بذاته ، الفرد والمجتمع بلحاظ الزمان والمكان ، الزمان والمكان بذاته ، الزمان والمكان بلحاظ الفرد والمجتمع),وإن الدعوة إلى تشخيص مفهوم أوسع لنظرية الدولة يتجاوز المفهوم المرحلي السائد لمفهوم الدولة والغائب الحاضر بطبيعته عن البعد التشريعي والمنطلق على أسس الرؤية الإسلامية من هنا نظرية ولاية الفقيه تشكل الصيغة الأكثر تطوراً والأحدث تطبيقاً لمفهوم الدولة على مستوى المدارس الفقهية الإسلامية أو على مستوى التشريعات المتداولة من عالمنا الإسلامي,إنّ معطيات علم الفقه عند تعاطيها مع التشريع المتعلّق بمفهوم الدولة وما تشكلّه من كيان محلي أو إقليمي أو دولي تميل في رسم تشريعاتها نحو دائرة الفرد بصورة مركّزة, حتى اختزلت في طيات بحثها وتشعّباتها تشريعات لم تنل النصيب الكافي من البحث, كما نالت تلك؛ مما يدعونا إلى قراءة واضحة, وتحديد دقيق لدوائر البحث, وفرز مجدول لسُلّم أولوياته النظرية والعملية, ولعل هذه المبادرة بدأت عملياً في الحركة العلمية للإمام الراحل روح الله الخميني (رضوان الله عليه) في أطروحته التي تناول بها نظرية ولاية الفقيه,والتي ينبغي لنا أن نقرأها من جديد وفق قراءة علمية دقيقة تتوازى مع الواقع العملي,إنّ نظرية ولاية الفقيه لا تمثّل ترفاً علمياً أو إثباتاً لنحوٍ من أنحاء المناقشات العلمية المتداولة في دائرة من دوائر البحوث الفقهية,فنظرية ولاية الفقيه تحمل تركيزاً وتوظيفاً عاليين في حرفيتهما ومهنيتهما العلمية والمعرفية لمعطيات العلم لبناء معرفة اجتماعية وواقعية واضحة لعالمية هذا التشريع, ورسم أبعاده الإقليمية والدولية,فهي وضعت بذرة عالية الجودة عند الاعتناء بها, وتوظيفها العلمي نحو بناء متكامل لنظرية تتجسّد من خلالها حركة التشريع سواء على مستوى علم الفقه أم أوسع من ذلك نحو البعد المتجاوز لدائرية الفرد بشكل تلقائي والمحقق للتمازج الطبيعي لتفاعل هذا العلم ومتلقّيه مع مجتمعه ودائرته المحلية, وعودة منهجية وموضوعية وبآفاق تتعاطى مع روح الشريعة, لأبعاد الأحكام الأولية, وفَهْم وفق رؤى زمانية ومكانية لهذه النصوص الخالدة والتي عاصرت قرنين ونصف من الزمان, تعطينا رؤية واضحة ودقيقة لتقلّبات الأزمنة والأمكنة مع امتياز وجود البعد المعصوم (عليه السلام) في توظيفها,من هنا لا بدَّ من دعوة لكل باحث جاد ومتميّز أن يبدأ بقراءة هذه النظرية بآفاقها, ومن داخل منظومتنا التشريعية, التي كانت نَصْبَ عيني الإمام الراحل(قدس سره), من خلال ما نستشفه من أقواله وأفعاله وأهدافه من هذه النظرية التي تمهّد للدولة العالمية؛ فلا بدَّ من فَهْم لآفاق هذه النظرية وهذه الرؤية وفق ما وُجِدت له, ولعل نظرة خاطفة إلى أحاديثه (قدس سره) تكشف ذلك لاسيما في السنوات التي كانت قريبة من رحيله رضوان الله عليه وخلوده في وجداننا,إذ لا بدَّ لنا من السعي نحو التزاوج ولربما والتمازج الموضوعي والمنهجي مع تطوّرات العصر ومقتضياته الزمانية والمكانية, عبر تأصيل وتوظيف كمّي وكيفي دقيق لمتطلبات الجديد, وغمره بكنوز تراثنا واجتهادات الأفذاذ من أعلامنا المبدعين لتحقيق أبعاد التشريع الذي أرساه خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتَسَلْسَل في حفظه وتوظيفه أئمة آل البيت (عليهم السلام) على مدى قرنين ونصف مع تلوّن الزمان والمكان, حتى تسلّم الأعلام من سلفنا الصالح, وأعلامنا المعاصرون استنباط أحكامه على مستوى علم الفقه, وتوظيفها في دائرة الفرد والمجتمع, والتي على مستوى أبعادها استفاد منها بل وطوّر جزءاً منها مَنْ هم خارج دائرة هذا الفقه,إنّ ما أنجزه الإمام الراحل(قدس سره) ما هو إلا تطبيق عملي ومصداق حقيقي للنهوض بهذا التشريع من خلال بوابة علم الفقه نحو آفاقه الحقيقية والتي أثبتت بصورة جليّة في دائرته التطبيقية على مستوى الدولة,ولو في مراحلها التطبيقية الساعية للاكتمال نحو المحلية, والتي أثبتت وجود استعدادات عالية تدعو للتكامل والانتقال من البعد المحلي إلى البعد الإقليمي, حتى ننطلق به إلى الأبعاد الدولية, التي تكون رقعة واضحة لرسم العالمية,ومن جميل ما أورده الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) قائلاً:»إنّ ما نشعر بالحاجة إليه وبضرورته في الفقه الإسلامي ليس هو فقط أن نغيّر من لغة التعبير, أو أن نغير من الورق الذي نطبعه عليه, أو أن نستبدل المطابع الحجرية بمطابع الحروف، بل لا بدَّ من اتخاذ علمية تطوير في البناء الفقهي نفسه، لابد من توسيع فقهي في هذا البناء,ومن هنا نفهم هذه الصيحات المتعالية من السيد الامام القائد الخامنئي(دام ظله) حول تطوير الحوزات العلمية وتدشين المناهج التي تتناسب مع متطلبات الزمان والمكان،ولعل عجلة الحركة المنهجية والموضوعية نحو ذلك بدأت ببادرة عملية قادها إمامنا الراحل(قدس سره) نحو نظريته في فقه الدولة, والتي تتعطّش لأبعادها العالمية وحمل اللواء من بعده الإمام الخامنئي (دام ظله).



