التعارف والإنفتاح أساسا نهضة الأمم


قبل الإسلام كانت الشعوبُ متفرّقة متناكرة ،بل ومتصارعة متناحرة ،تتخاصم علی شاة وتتقاتل علی كلمة خرجت من هذا او ذاك تسود العصبیة والقومیة والطائفية بین الشعوب والأمم المختلفة في بقاع الكون المختلفة وكان التفاخر باللغات والأنساب والأدیان المختلفة والمتباینة یعم المعمورة..ولكن سرعانَ ما حلّ التعارفُ محلّ التناكر ، والتعاونُ محلّ التخاصم ، والتواصل محلّ التدابر ، بفضل بزوغ فجر الاسلام وتعالیمه السامیة التوحیدیّة»یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكم مِّن ذَكرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ» سورة الحجرات/ الآية 13،فكانت المحصّلة أن ظَهرتْ إلى الوجود تلك الأُمّة الواحدةُ العظیمة التي قدّمت ذلك العطاء الحضاري العظیم فصارت تلك الأُمّة محترَمة بین أمم وشعوب ِ العالَم ومُهابة من جميع الطغاة والجبّارین,ولم یكن ليتحقق ذلك ـ كله ـ إلاّ بسبب وحدتها تحت راية الإسلام الذي نقل المسلمين من أمة تشرب ماء الطرق وتقتتل فيما بينها إلى أمة عظيمة ودولة كبيرة يحسب لها ألف حساب،وهذا كله رغم تنوعِ الأجناس ،واختلاف المشاربِ،وتعدّدِ الثقافات وتباین الأعرافِ والتقالید،فلا خير لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ومن هنا أصبحت الوحدة واجتماع الكلمة قوة،والفُرقة ضَعف يقول تعالى:»وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا «سورة آل عمران الآية 103,وجرى الأمر على هذا المنوال إلى وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فانحرفت الأمة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يسلم الأمر إلى أهله فأصبحنا على هذا الحال مقسمين ومتفرقين نقتتل فيما بيننا بحثاً عن الدنيا وحطامها لكن لو ذهب أمر الحكم إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) لما وصل الحال إلى ما هو عليه.وكما قال سلمان المحمدي(رضوان الله عليه):»أما والذي نفس سلمان بيده لو وليتموها عليا (عليه السلام) لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم،ولو دعوتم الطير في جو السماء لأجابتكم،ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم،ولما عال ولي الله،ولا طاش لكم سهم من فرائض الله،ولا اختلف اثنان في حكم الله»,عندها انقلب التعارفُ إلى تناكر،والتفاهم إلى تنافر،وكفّرتِ الجماعاتُ بعضها بعضاً،وضربتِ الفصائل بعضها بعضاً فزالتِ العزّةُ وتحطّمت الشّوكة وسقطت الهیبةُ واستخفّت الطغاة بتلك الأُمّة الرائدة القائدة حتّى جالت في ربوعها الثعالبُ والذؤبان،وجاست خلال دیارها شذّاذُ الآفاق وملاعین الله ومغضوبو البشریّة ـ كما تعيث اليوم داعش في الأرض فساداً وكما فعلت القاعدة من قبلها وكما فعل الطغاة الذين حكموا باسم الاسلام والاسلام منهم براء ـ،لذا ثروات الأمة منهوبة،ومقدّساتها مُهانة،وأعراض كثير من النساء تحت رحمة الفجّار،وسقوطات تلو سقوطات،وهزائمُ إثر هزائم، وانتكاسات في الأندلس وبخارى وسمرقند وطاشقند وبغداد،قدیماً وحدیثاً وفلسطین وأفغانستان ,والیومَ إذ تتعرّض الأُمّة الإسلامیة لأبشع حملة ضدّ كیانها،وعقیدتها ولأشرس هجمة ضدّ وحدتها،من خلال إیجاد الخلل في تعایشها المذهبي ،والاجتهادي الذي بينا سببه،وتكاد هذه الحملة تؤتي ثمارَها وتُعطي نتائجها،ألیسَ من الحَريّ بها بأن تزید من رصّ الصفوف وتمتین العلاقات،وهي رغم تنوّعها المذهبي تشترك في الكتاب والسنّة مصدراً،وفي التوحید والنبوّة والإیمان بالآخرة عقیدةً،و في الصلاة والصیام والحجّ والزكاة والجهاد والحلال والحرام شریعةً،وفي مودّة النبي وأهل بیته( صلوات الله عليه وعليهم أجمعين) ولو أن هذه الأمور تتباين شدة وضعفاً لكنها كأصابع الید الواحدة في الانتهاء إلى مفصل واحد،وإن اختلفت طولا وعرضاً وشَكلا بعضَ الشيء،أو هي كالجَسَد الواحد في تعدّد جوارحِه من جهة وتعاونها في تفعیل الدّورِ الجسمانيّ في الكیان البشريّ من جهة أخرى مع وجودِ الاختلاف في أشكالها,لذا فخلاصة الأمر بسيطة ما دام الانحراف قد حصل منذ وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم التسليم لأمير المؤمنين(عليه السلام) فإصلاح أمر المسلمين بالكامل مسألة شبه مستحيلة دون عودة الأمر إلى نصابه وأهل وذلك بظهور الإمام المهدي(عجل الله فرجه).لكننا يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي فنحاول التقريب بين المذاهب والانفتاح بينها فكرياً وعقدياً والدعوة لندوات حوارية بين علماء المسلمين ومن مختلف الطوائف،مع التأكيد على عدم تكفير بعضهم بعضاً والالتفات إلى عدوهم المشترك المتمثل بالاستكبار والمستكبرين.فيجب على المسلمين النقد وتحمل النقد والردّ،وبشكل مؤدّب ،وعلمي ،وموضوعي. فلیس من الصعب أن یجتمع علماء الأمّة ویتناقشوا بهدوء وموضوعیّة،وبإخلاص وصدق نیّة، في ما اختلفت فيه الطوائفُ وللتعرّف على أدلّة كلّ طائفة وما تقیمه من برهان,وكما أنّه من الجیّد والمعقول أن تقومَ كل طائفة وجماعة بعرضِ عقائدها،ومواقفها الفقهیّة والفكرية في جو من الحریّة والصراحة،لیتّضح بطلان ما یُثار ضدّها من اتهامات إذا لم تكن حقيقية،كي یعرف الجمیع ما يجمع المسلمين وما يفرقهم وبذلك یذوب الجلید بینهم.



