شعر غربي بنكهة الحنين العربي


صقر أبو فخر
يعود وجود العرب في الولايات المتحدة الأميركية إلى ما لا يقل عن 071 عاماً. والشائع أن أول مهاجر من بلاد الشام هو أنطونيوس البشعلاني الذي غادر لبنان إلى أميركا في آب 4581 بعد مقاطعة أهله له جراء التحول عن الكاثوليكية إلى البروتستانتية. لكن ميخائيل أسعد رستم يرى أن أول من هاجر إلى الولايات المتحدة هو الدمشقي يوسف عوض عربيلي في سنة 8781 (راجع كتابه «الغريب في الغرب»، نيويورك: المطبعة الشرقية، 5981). وربما كانت هجرة أنطونيوس البشعلاني فردية، ولأسباب اعتقادية شخصية، بينما اندرجت هجرة عربيلي في سياق الهجرات المتمادية بعد حرب 1860 في جبل لبنان ودمشق. ومهما يكن الأمر، فإن أحد أسباب الهجرة من لبنان إلى أميركا، في طورها الثاني، هو الغيرة بحسب المؤرخ كمال الصليبي، وليس الاضطهاد وسوء الأحوال، خصوصاً بعدما رأى كثيرون مقدار الأموال التي عاد بها بعض المهاجرين إلى قراهم، فدبت الغيرة فيهم، ورغبوا في الهجرة ثم العودة (أنظر: صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم، حوار مع كمال الصليبي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012).
هناك مبالغات خرافية في أعداد المهاجرين العرب إلى الأميركتين، وتبلغ الخرافة ذروتها في أعداد المغتربين اللبنانيين التي يرفعها كثيرون إلى تخوم الخمسة عشر مليوناً، وهذا رقم لا يستند إلى أي ذرة من العلم. ففي سنة 1860، بعد المصادمات الدامية بين الدروز والموارنة في جبل لبنان، أجرى الفرنسيون إحصاءات سكانية، فبلغ عدد السكان في الأقضية التي صارت لاحقاً دولة لبنان الحالي نحو 488 ألفاً. وهؤلاء لو بقوا جميعهم، ولم يهاجر أحد منهم البتة، لما بلغوا اليوم 15 مليوناً. ويقول ألبير داغر إن عدد المهاجرين من لبنان بلغ في سنة 1930 نصف مليون مهاجر (أنظر: ألبير داغر، كيف أُفرغ ريف لبنان من أهله؟، جريدة «الأخبار»، بيروت، 5/9/2011)، بينما يذكر الإحصاء اللبناني الرسمي لسنة 1932 أن عدد المغتربين اللبنانيين هو 252 ألف مغترب. وفي مذكرة أصدرتها الحكومة اللبنانية في 21/6/1943 جاء فيها أن عدد اللبنانيين المغتربين قد بلغ 160 ألفاً. فكيف صار عدد المغتربين 15 مليوناً لدى كثيرين وتسعة ملايين بحسب جريدة «النهار» اللبنانية؟ (9/6/2010).
إختلاط المصطلح
هناك اختلاط موضوعي في تحديد جنسية المغترب؛ فالجميع كانوا سوريين بحسب تعريف المهاجرين لأنفسهم، أَكانوا من جبل لبنان (جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة) أم من حمص أم من بيت لحم، وكانوا أتراكاً بحسب جوازات سفر الذين هاجروا قبل سنة 1917. ولذلك يتمادى كثيرون في عدّ جميع المسيحيين من أصول لبنانية، كأن لا مسيحيين إلا في لبنان. وحقيقة الحال أن عدد مسيحيي لبنان كان دائماً ثلث عدد مسيحيي سورية، ومعظمهم متحدر من أصول سورية واضحة خاصة من حوران ودمشق وحلب. وهذا التمادي أورث أصحابه الجهل، وصار مدعاة للتندر والفكاهة. فحين فاز كارلوس منعم برئاسة الأرجنتين قالوا إنه لبناني، وتبين أنه سوري من النبك. وحين عين جون سنونو كبيراً لموظفي البيت الأبيض انتفخ البعض بلبنانيته، وتبين أنه فلسطيني. وعندما اشتُهرت المغنية بولا عبدول قالوا إنها لبنانية، وظهر أنها سورية، ولم تنجدهم في هذا الأمر إلا شاكيرا. وعلى هذا النحو جعلوا عمر الشريف (ميشال جوزف شلهوب) من زحلة، وهو ليس زحلاوياً على الإطلاق بل دمشقي، وكذلك المخرج هنري بركات الذي بات على أيديهم لبنانياً، وهو دمشقي أصلاً وفصلاً، ووالدته من آل بولاد في زحلة، وهؤلاء دمشقيون في الأساس.
أسماء بلا أثر
أولئك المغتربون العرب الذي شُغلوا بالتجارة وجمع الأموال، شُغفوا بالشعر والأدب أيضاً، وظهر «أدب المهجر» وكان من رواده جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي والياس فرحات ونسيب عريضة وزكي قنصل وعبد المسيح حداد وأمين الريحاني ورشيد سليم الخوري. لكن هذا الأدب الذي كان له شأن في تجديد الشعر العربي لم يعرفه الأميركيون، لأنه كُتب بالعربية، خلا بعض أعمال جبران خليل جبران ككتاب «النبي»، ولم يكن له أي تأثير في الأدب الأميركي على الإطلاق، وكان يخلو من الأسماء النسائية إلى حد عجيب. وفي ما بعد راحت بعض الروائيات تحتل مكانة لا بأس بها بين الأدباء من ذوي الأصل العربي أمثال ألماظ أبي نادر وفانس أبو رجيلي وباتريشيا سيرافيان ورد وليلى حلبي وديانا أبو جابر وناعومي شهاب ناي. ثم بدأ جيل شعري جديد يتلمس شكله وهويته كشعر أميركي ذي عناصر إبداعية عربية. ومن بين أبناء هذا الجيل خالد مطاوع، فادي جودة، ناتالي حنظل، صموئيل حزو وجوزف عواد ود.ه. ملحم وسام حمود ولورنس يوسف وجون عصفور. وهذا الجيل لا يخلو من الشاعرات، بل إن الأصوات الشعرية النسائية كانت متفوقة على نحو لافت على الشعراء الرجال. ومن بين الأصوات الشعرية النسائية تميزت الشاعرات الفلسطينيات بصوت خاص وبتجربة مميزة تجمع الحداثة التي وصل إليها الشعر الأميركي إلى الهوية التي تلح في تعبيراتها على الذاكرة وأبعادها الانسانية. وهذا الشعر بدوره منقطع الصلة الإبداعية، إلى درجة كبيرة، عن التجارب الشعرية العربية الجديدة، وبالتحديد عن الشعر الفلسطيني.
شاعرات المهاجر
منذ نحو خمسين سنة بدأت بعض الأسماء الفلسطينية المهاجرة تطرق الأسماع في المشرق العربي، وصرنا نقرأ لشعراء فلسطينيين أميركيين جدد غير الذين غمرتنا قصائدهم أمثال محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وتوفيق زياد وسالم جبران وغيرهم. وكان فواز تركي (ولد في حيفا ونشأ في برج البراجنة) أول فلسطيني ينشر مجموعة بالإنكليزية هي «روح في المنفي» soul in Exile (1975)، ثم صدرت مجموعته الثانية بعنوان «تل الزعتر كان تلاً للزعتر» (1978)، وبعد ذلك توقف عن كتابة الشعر. وقرأنا أيضاً قصائد بالإنكليزية لشريف الموسى المولود في قرية العباسية القريبة من يافا في سنة 1947، والذي ترعرع في مخيم النويعمة المجاور لأريحا. وكان هناك شعراء فلسطينيون آخرون يكتبون بالإنكيزية أمثال حنا عيدي وشوق دلّل وراي حنانيا. لكن اللافت أن الشاعرات الفلسطينيات الأميركيات تفوقن على الشعراء الفلسطينيين الأميركيين من حيث الشاعرية والحضور الثقافي معاً، والأسماء كثيرة أبرزهن دوريس صافي التي هاجر والدها إلى إلسلفادور في البداية حيث ولدت، ثم انتقلوا جميعاً إلى الولايات المتحدة الأميركية؛ وناعومي شهاب ناي التي أصدرت أول مجموعة شعرية لها بعنوان «طرق مختلفة للصلاة» Different ways to Pray (1980) و»عناق الأباريق» Hugging The Jugbox (1982) و»القفاز الأصفر» yellow Glove (1986)؛ وسهير حماد المولودة في الأردن لوالدين لاجئين، والتي نشأت في بروكلين مع السود والبورتوريكيين والدومينيكيين والهايتيين، ولم تعرف بلدها الأصلي فلسطين إلا من خلال حكايات والديها وذكرياتهما (زارت فلسطين أول مرة في سنة 1988)، فكتبت أول مجموعة شعرية بعنوان «فلسطينية المولد سوداء اللون»؛ وليزا سهير مجج المولودة في الأردن؛ وآن ماري جاسر ونتالي حنظل صاحبة «حياة المطر»، وديما الشهابي ونادية حزبون (مولودة في الأردن) ولورين الزرو (مولودة في رام الله) وللي كرنيك (فلسطينية أرمنية) ومنى حاطوم ولينا الجيوسي وأمينة قزق وس. ف. عطا الله وكثيرات غيرهن من الشاعرات والأديبات والكاتبات ذوات الأصل الفلسطيني.
اللافت أن أدب الفلسطينيين الأميركيين هو أدب أميركي بالدرجة الأولى، لكن له سمات خاصة هي سمات الهوية الفلسطينية. وهذا الأدب ليس شوطاً استمرارياً لقصائد فدوى طوقان وأسمى طوبي وسلمى الخضراء الجيوسي وكلثوم عرابي وسميرة أبو غزالة وسلافة حجاوي وليلى السايح وليلى علوش ومي صايغ وغيرهن، إنما هو أدب تحتل فيه الذاكرة مكانة مهمة، والذاكرة هنا عنصر شديد الأهمية من عناصر تأكيد الهوية. والعودة إلى الذاكرة هي وسيلة لحفظ الجذور وترسيخ الهوية الثقافية. إذاً، ثمة انشطار في هوية هؤلاء الشاعرات. والهوية الثقافية هنا مهمة جداً في المهجر لتجنب الاغتراب، ولإعادة الالتحام إلى الذات المنشطرة. والشاعرات يحملن، مثل جميع الفلسطينيين المهاجرين، هويات مركبة: هن أميركيات، لكن المنفي موجود في دواخلهن بقوة، إما من خلال أجدادهن، أو من خلال غياب أرض آبائهن. لذلك كانت قصائدهن تتضمن العودة إلى الماضي، مع أنهن موجودات في الحاضر أيضاً.



