إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ في ضوء سيرة الإمام السجَّاد عليه السلام


كان على الإمام السّجّاد عليه السلام، من أجل حفظ تيّار الإسلام الأصيل والمذهبيّ والواقعيّ، أن ينهض للجهاد، ويجمع كلّ هذا الشّتات الإسلاميّ، ويتّجه بهم نحو الحكومة العلويّة، أي نحو الحكومة الإسلاميّة الواقعية. لقد عمل الإمام السّجّاد عليه السلام في ظلّ هذه الظّروف طيلة 34 سنة. وسنكتفي بذكر بعض المقاطع البارزة من حياة الإمام السّجّاد عليه السلام، ومواقفه المشرّفة,إنّ أعظم الأدوار الّتي مارسها الإمام السجّاد عليه السلام هي أنّه دوّن الفكر الأصيل للإسلام: كالتوحيد، والنبوّة، وحقيقة المقام المعنويّ للإنسان، وارتباطه بالله. وأهمّ دور أدّته الصّحيفة السجّادية هو في هذا المجال. فانظروا إلى هذه الصّحيفة، ثمّ جولوا ببصركم في أوضاع النّاس على صعيد الفكر الإسلاميّ في ذلك الزّمن، ستجدون مدى المسافة الّتي تفصل بين الاثنين.قام الإمام السجّاد عليه السلام بعملٍ كبيرٍ لأجل أن يحفظ الفكر الأصيل للإسلام في فضاء المجتمع الإسلاميّ.ويظهر هذا الأمر في كلمات الإمام عليه نجد رسالة الحقوق، وهي رسالة مفصّلة بحجم رسالةٍ حقيقية بحسب اصطلاحنا، وهي رسالة كتبها الإمام لأحد أصحابه، يذكر فيها حقوق الأفراد والإخوان بعضهم على بعض، ويذكر فيها أيضا حقّ الله علينا، وحقّ أعضائنا وجوارحنا، وحقّ العين واللسان واليد والأذن… كما يذكر حقّ حاكم المجتمع الإسلاميّ، وحقّنا عليه، وحقّنا على جيراننا، وحقّنا على أسرتنا. لقد ذكر كلّ هذه الأنواع من الحقوق الّتي تُنظّم العلاقات بين الأفراد في النّظام الإسلاميّ. فالإمام، وبهدوءٍ تامّ، ومن دون أن يأتي على ذكر الحكومة والجهاد والنّظام المستقبليّ، قد ذكر في هذه الرسالة أسس علاقات النّظام المقبل، بحيث إنّه لو جاء يومٌ وتحقّق نظام الحكومة الإسلاميّة في عصر الإمام السجّاد نفسه – وهو بالطبع احتمالٌ بعيد – أو في العصور اللاحقة، فهو يُعرّف النّاس إلى الإسلام الّذي ستُحقَّق حكومته في المستقبل، ليلقي في أذهانهم مسبقًا طبيعة العلاقات الّتي تربط بينهم في ذلك النّظام. هذا نوعٌ آخر من كلمات الإمام السجّاد الّتي تلفت الأنظار كثيرا.كما أنَّ الصحيفة السجّادية أيضاً تتضمّن مجموعة من الأدعية في المجالات الّتي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان اليقظ والفطن كافة، وأكثرها في الروابط والعلاقات القلبية والمعنوية للإنسان. في هذه الأدعية والمناجاة، توجد مطالب معنوية وتكاملية كثيرة، لا حصر لها. والإمام عليه السلام في ثنايا هذه الأدعية، وبلسان الدّعاء، يُحيي في أذهان النّاس الدوافع نحو حياة إسلاميّة، ويوقظها. إحدى النتائج الّتي يُمكن أن تحصل من الأدعية، وقد ذكرناها مراراً، هي إحياء الدوافع السليمة والصحيحة في القلوب,وانتشر الانحطاط الفكريّ، والفساد الأخلاقيّ، والفساد السياسيّ في المجتمع الإسلاميّ، كما ذكرنا. فأغلب الشخصيّات الكبار قد تشبّثوا بفضلات الحياة المادية لرجال الحكومة آنذاك. شخصيّات كبيرة مثل محمّد بن شهاب الزهريّ، الذي كان في مرحلة من المراحل، من تلامذة الإمام السّجّاد عليه السلام، أصبح تابعا للجهاز الحاكم,وكان يجب على الإمام الإنطلاق لإصلاح دين النّاس، وإصلاح أخلاق النّاس، وإخراج النّاس من مستنقع الفساد، كما كان يجب إعادة إحياء التوجّه إلى المعنويّات، المعنويّات التي هي لبّ لباب الدّين، وروحه الأصليّ. لذا نرى أنّ أكثر الكلام المنقول عن الإمام السجّاد عليه السلام هو في الزّهد: «إنّ علامة الزاهدين في الدنيا، الراغبين عنها في الآخرة…إلخ». هذه الجملة هي بداية حديثٍ طويل مفصّل. وإنْ كان في هذا الحديث مفاهيم وإشارة إلى تلك الأهداف التي ذكرناها.إنّ أكثر كلمات الإمام السّجّاد عليه السلام كانت حول الزّهد والمعارف الإسلاميّة، إلّا أنّ الإمام كان يطرح المعارف الإسلاميّة، ويُبيّنها من خلال الدّعاء، وذلك لأنّ الظّروف في ذلك العهد، وكما كُنّا قد ذكرنا، كان يسودها القمع، ولم يكن الوضع ملائما بحيث يُسمح للإمام السجّاد عليه السلام بأن يتكلّم إلى النّاس، ويطرح آراءه بصورة صريحة وواضحة. لم تكن الأجهزة فقط هي المانع، بل النّاس أيضًا كانوا يرفضون ذلك. أساسًا، فإنّ المجتمع كان قد أصبح مجتمعاً فاسدًا ضائعاً فاقدًا للاستعداد، وكان يجب إعادة بنائه من جديد,ومن النشاطات المهمّة للإمام السجّاد عليه السلام تعريف النّاس إلى أحقّية أهل البيت عليهم السلام، وأنّ مقام الولاية والإمامة والحكومة حقٌّ ثابت لهم. إذ كيف يُمكن لأهل البيت عليهم السلام تشكيل حكومة في الوقت الّذي كان الإعلام والتبليغ ضدّ آل الرسول قد ملأ العالم الإسلاميّ طوال عشرات السنين، حتّى عصر الإمام السجّاد عليه السلام، وفيه ظهرت الأحاديث الموضوعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والّتي تُخالف حركة أهل البيت عليهم السلام، بل إنّها في بعض الموارد تشتمل على سبّهم ولعنهم، وقد نُشرت بين أناس لم يكن لديهم أي اطّلاع على المقام المعنويّ والواقعيّ لأهل البيت.إنّ تأسيس التشكيلات الشيعية في المجتمع، يُمكن أن يكون منطلقًا أصليًّا للتحرّكات السّياسيّة المستقبليّة. ففي مجتمعٍ ممزّق، يعيش تحت أنواع القمع والفقر والتضييق الماليّ والمعنويّ، حتّى أنّ الشّيعة عاشوا من الرّعب والتضييق إلى درجة أنّ تشكيلاتهم تلاشت، فكيف يُمكن للإمام السجّاد عليه السلام أن يبدأ عمله وحيدًا، أو مع مجموعة قليلة وغير منظّمة؟ لهذا كان همّ الإمام السجاد عليه السلام أن يبدأ بتشكيل هذه التّنظيمات الّتي كانت، برأينا، موجودة منذ أيّام أمير المؤمنين عليه السلام، غير أنّها ضعفت وتلاشت إثر واقعة عاشوراء والحرّة، وثورة المختار والدليل على وجود التشكيلات السريَّة هو كلمات الإمام السجّاد عليه السلام الواردة في كتاب «تحف العقول»، حيث نُشاهد عدّة أنواع من أساليب الخطاب الّتي تُشير إلى طبيعة الجهات المخاطَبة. وأبرز هذه الأساليب نجده منها :
الخطاب الموجه لعامّة النَّاس
أحد تلك الأنواع هو الكلمات الموجّهة إلى عامّة النّاس، والّتي يظهر فيها أنّ المستمع ليس من الجماعة المقرَّبة والخاصّة للإمام، أو من الكوادر التّابعين له. وفي هذه الخطابات يستند الإمام عليه السلام دائمًا إلى الآيات القرآنية، لماذا؟ لأنّ عامّة النّاس لا ينظرون إلى الإمام السجّاد عليه السلام كإمام، بل يطلبون الدّليل على كلماته، ولهذا كان الإمام يستدلّ إمّا بالآيات أو بالاستعارة من الآيات. ولعلّه في هذه الرّوايات قد استخدم، في 50 موردًا أو أكثر، آيات قرآنيّة، إمّا بصورة مباشرة، أو بطريق الاستعارة.بهذه الطريقة كان الإمام يحيي قضيّة الإمامة. فلمّا لم يكن الجهاز الأمويّ الحاكم يرضى بأن يتمّ الحديث عنها، استخدم الإمام أسلوب الموعظة.فالإمام عليه السلام يريد أن يصنع من المؤمنين كوادر ملائِمة للمرحلة، ولهذا يُحذّرهم من الانجذاب نحو أقطاب القدرة والرّفاهية الكاذبة..فمن جملة الأشياء الّتي أراها جليّة وشديدة الأهميّة في هذا القسم من كلمات الإمام السّجاد عليه السلام، تلك الكلمات الّتي يُذكّر فيها بتجارب أهل البيت عليهم السلام الماضية. ففي هذا القسم يُشير الإمام عليه السلام إلى تلك الأيّام الّتي مرّت على النّاس من الحكّام الجائرين، مثل معاوية ويزيد ومروان، ووقائع مثل الحرّة وعاشوراء، وشهادة حجر بن عديّ، ورشيد الهجريّ، وعشرات الحوادث المهمّة والمعروفة والّتي مرّت على أتباع أهل البيت طيلة الأزمان الماضية، واستقرّت في أذهانهم.



