اراء

العراق .. في عيون الإعلام المحلي

4854

الجزء الثاني

محمود الهاشمي
نحن نتفق جميعا ان التجربة السياسية في بلدنا يشوبها الفشل ، وان الصدفة جلبت لنا مخلوقات من السياسيين كانوا سببا في هذا الفشل ومازالوا يطاردون في الميدان بخيولهم الخشبية .. لكن الاعلام العراقي مازال يمارس عرضهم أمام الناس حتى اقنع المجتمع ان هؤلاء هم نهاية الحياة في البلد ، وان الامهات العراقيات لن ينجبن سواهم . مستغلا هشاشتهم ليرسم لنا من خلالهم شكلا مشوها للوطن … لا نعرف لماذا تستضيف الفضائيات ذات الوجوه يوميا لمجرد انهم ضعاف وان مقدم البرنامج يسهل عليه القفز على ظهورهم والضحك عليهم أمام الملأ كي يقول لنا (هؤلاء هم من يحكمكم).. البعض يستضيف نوابا ومسؤولين يحسنون التنابز والمناكفات والصخب ويبدون أمامنا وكأنهم ديكة يتصارعون ، وينتهي الحوار دون ادنى فائدة . بالمقابل فان المواطن هو الخاسر وهو يرى (اولياء اموره) بمثل هذا المشهد البائس لا حول ولا قوة لهم .. فيبكي ويجزع على مستقبله ومستقبل ابنائه ووطنه ويقول (هؤلاء لا يستحقون الامانة). .. بالمقابل فان هؤلاء (اولياء الامور) قد ادمنوا على (السب والشتيمة) وكأنه جزء من يومياتهم حتى لم يعد أمام الاعلاميين من كلمة تقال بحقهم .. وبقي الاثنان في مواقعهم ، فالإعلامي واصل شتائمه والسياسي ادمن الاستماع .!! ينتمي الاعلاميون الى فصيلة النخب المثقفة ، وهم صوت الشعب القادر على التغيير ، وفيهم المبدعون الذين يستكشفون افاق المستقبل ويأخذون بأيدي الشعب الى مواطن الخير والعطاء ، ولا يكفي ان نعرض المشكلة بقدر ايماننا اننا سنجد البديل لها وسأبسط هذه الفكرة (ارسل هارون الرشيد على الشاعر ابي نؤاس ولامه على قصيدته في مدح والده المهدي التي تقول (فتى يشتري حسن الثناء بماله ويعلم ان الدائرات تدور) بان هذا البيت لا يصح بوالده الذي لم يكن كريما وكان متجبرا ، فرد عليه ابو نؤاس بأنه اراد ان يحث والده على الكرم فاستخدم فعل المضارع (يشتري) والقصد (اشتر حسن الثناء) واستخدم الفعل (ويعلم) فيما هو اراد (اعلم ان الدائرات تدور) ولكن من الصعب التحدث مع الامراء بصيغة الامر!!.
يعني برغم جبروت الملوك والأمراء لكن الشاعر يستخدم مهارته وحذاقته في توجيه وإدارة السلطة !! فكيف لنا ونحن نمتلك هذه الفسحة من الحرية في الاعلام؟.
الطريقة التي يستخدمها الاعلام العراقي ، تشبه جدا الطريقة في لبنان التي فقدت الدولة اعتبارها ، ولم تكد تعرف ان هنالك دولة بل هي دول لقسوة الاعلام على الشخصيات السياسية دون اي رادع يذكر !!نؤكد ان الاعلام شارك ويشارك في صناعة دول عديدة وان المال الذي نحرقه على هذا الطريق لا نفع فيه بقدر الضرر ، وعلينا ان نفرق بين الدولة والحكومة .. فالدولة باقية والحكومات تتغير .. والحفاظ على هيبة الدولة من مهام الاعلام .. أحد الاصدقاء الذي زارنا قبل أشهر وقد غادر البلد منذ أكثر من 35 عاما وأقمنا له جولة في بغداد وبعض المحافظات العراقية .. قال: (كنت اظن انني سأقتل بعد خروجي من المطار بأمتار . وان ارى خرائب وموتا وجوعا ومؤسسات خاوية على اركانها) فحمد الله انه رأى شعبا صامدا وحركة ونشاطا وتجارة وأسواقا عامرة وابتسامة وموائد عامرة وفنادق فارهة ..وووالخ) .. ولا شك ان رؤية زميلنا كان الاعلام العراقي والعربي وراؤها .. وفي هذا تجاف للحقيقة وتجاوز على الوطن وإنسانه . مازال البلد فيه من مستلزمات النهوض الكثير من ماء وزرع وثروات وإنسان وموقع وبنى تحتية ، ومن واجب الاعلام ان يوفر الثقة للمواطن بمشروع النهوض. في ذات الوقت فان أغلب المسؤولين العراقيين ليست لديهم خبرة في الاعلام فتراهم يصدرون التصريحات والإجابات بلا هدى ودون اعتبار ان هذه التصريحات ستخلق اجواء متشنجة ،خاصة وان بعض النواب استغلوا الحصانة فراحوا يطلقون اصواتهم كذبا أو صدقا من اجل موقف سياسي ومناكفة لا غير . وهذا بمجمله خلق مناخا ملوثا اثر على حياة المواطن العراقي ،الذي بات لا يرى في الدولة سوى شبح للسرقة والموت والدمار.. قبل ايام ارسلت الى صديق لي صورا ومشاهد متنوعة عن بغداد والحدائق والأسواق بطلب منه ، فتصور اني اخدعه وتلك صور في دولة اخرى . نعم ان العملية السياسية مشوهة لكن الانسان العراقي غير مشوه . فنحن نعمل ونبني ونقرأ ونسافر ونكتب ونرسم ونخط ونقيم المعارض والمؤتمرات ولن نتوقف لأننا نعتقد ان العراق ملك لنا وليس لأولئك الذين قذفتهم امواج الصدفة علينا ، ونعتقد اننا سنغير ما نستطيع تغييره ولو كلفنا ذلك حياتنا ، لان ارواحنا مشروع ثورة دائمة ضد الطغيان . اقول الى الاعلام العراقي ان الاعلام ليس لعبة نتداولها بل رسالة وطن فلا تقعوا في شراك المال والإغراء لتنالوا من وطنكم وتثلموا كرامة شعبه . مازال الشعب العراقي تاريخا وحاضرا ومستقبلا اكبر من ان يمسخه العملاء وان الاسرة العراقية باتت لا تحمل هذا الضغط اليومي . نريد ان نرى الوطن بعيون وطنية .. والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى