مَن «شر ما خلق»؟!
في زمننا الرخو؛ ينبع الوعي من الذاكرة المشتتة، حيث لا أبعاد حقيقية للزمن، لأن لا قيمة له، مثلما لا قيمة لنا ولا لآمالنا، بعد أن فشلنا بمواكبة زمن الآخرين، ففاتنا الزمان كله، وصرنا في ذيل القائمة في كل شيء..فنحن نمتلك آخر جواز سفر مقبول في العالم..بقينا نعض الأصابع حتى بتنا بلا أصابع..
في هذا الزمان الأغبر؛ زمن التهشيم، أحاول كل مرة أمسك بها مساحة العمود، أن أكتب عن زمن آخر لوطن آخر، زمن أشتهيه ووطن أتمناه.
هو هذه الأرض التي نحن عليها الآن، والتي كان عليها أهلنا، ولكني هذه المرة؛ سأكتب عن الأرض التي سيكون عليها أبناؤنا، في زمن ليس زمننا بل زمنهم هم.
الوطن الآخر أو القادم؛ سيبنى في زمن ليس فيه بلهاء يتحكمون في رقابنا، ولا سفلة يقررون مصائرنا، زمن بلا قياصرة سياسة، يهربون من دواخلهم الخاوية؛ فيقمعون أمانينا.
في الزمن القادم، يكون وطن أبنائنا أو أحفادنا، وسنترك لهم أمانينا المقموعة، من قياصرة سياسة زمننا، وسنورثهم ذاكرة الحزن وحزننا الدائم؛ ولافتات النعي السود على جدران أيامنا..
أحزان أبنائنا وأحفادنا؛ في الزمن القادم والوطن القادم، ليست من سنخ أحزاننا المفتوحة على المجهول، بماضيه وحاضره، بليله ونهاره، بباطنه وظاهره، بنوره ودياجيره، لأن أبناءنا وأحفادنا سيحزنون لأحزان لا نعرفها، بل لا نتخيلها..
في زمن أحفادنا، سيكون عسيرا عليهم، تصديق أن أجدادهم الذين هم نحن، كانوا يحبون رائحة الدم وشواء الأعضاء الآدمية، وأن منهم من يسوي مشكلاته مع مخالفيه، بأن يقطع شرايين رقابهم؛ كما تقطع شرايين رقاب الشياه..!
في الزمن القادم، لا أحد يعرف معنى الخسارة والفوز، لأنهم جميعا منشغلون؛ بما هو أهم من هذين المعنيين، كما أنهم لن يسخطوا على شيء، لأن لا شيء في زمنهم يمكن أن يستحق السخط!
أبناؤنا وأحفادنا سيرجمون كل من يحدثهم عن الماضي، الذي هو زمننا وزمن الذين قبلنا، بل وعن كل أزمنة التاريخ، لأنهم أكثر وعيا منا، إذ إكتشفوا أن معظم مشكلاتنا، وما خلفته لنا من آلام وجراح وقيح، كان سببها التاريخ، بكل آثامه..
أحفادنا سيلغون درس التـاريخ؛ من مدارسهم ومعاهدهم، وسيتحول المؤرخون الى منظفين لقاعات درس الرياضيات، وستهدم المتاحف؛ لتبنى بدلا عنها قاعات تزلج على الجليد.
سيبنون فوق ركام بابل؛ مدينة من «زرق ورق»، وسومر ستتحول الى بحيرات عملاقة، يربون فيها أسماك الكارب، وآشور ستتم تسوية أرضها لتُزرع قمحا..
كلام قبل السلام: في الزمن القادم؛ إذا ذكَّر أحد أحفادنا بنا، فسيرددون فورا: «قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق»!..
سلام..
قاسم العجرش



