التربية في العلوم التربوية المعاصرة
التربية بالمعنى الأعمّ: وتشمل تربية الإنسان في مختلف جوانب شخصيّته وأبعاد حياته، و»تتضمّن كلّ عملية تُساعد على تشكيل عقل الفرد وخُلُقه وجسمه». ويُستثنى منها الجوانب البيولوجية والفيزيولوجية والوراثية التي لا يلعب الاختيار الإنسانيّ أيّ دور في تحديد معالمها – مع الإشارة إلى وجود جوانب وراثية يلعب الاختيار الإنسانيّ دوراً فيها، فيكون للتربية تأثير فيها، كما سيأتي في الدرس الخامس عشر..التربية بالمعنى الخاصّ:و»تعني غرس المعلومات والمهارات المعرفية من خلال مؤسّسات معيّنة أُنشئت لهذا الغرض»أنّ التعليم عملية موجّهة إلى العقل والجانب الذهنيّ، بإعطاء المعرفة والفهم والإدراك والتفكير، أمّا إحداث التغيير في السلوك فهو من آثار العملية التربوية ككلّ، فالتعليم أضيق من التربية، وواقع ضمن دائرتها، بل التعليم مقدّمة للتربية بمعنى التزكية، ومع ذلك ليست كلّ عملية تربوية مسبوقة بالتعليم، لأنّ تغذية الطفل الرضيع ورعايته..هي تربية، ولكنّها لا تتضمّن أي موقف تعليميّ,ومن الأخطاء الشائعة -عند البعض- أنّه عندما تُطلق مفردة التربية ينصرف إلى أذهانهم المعنى الثاني للتربية، أي التربية بمعنى التعليم والتمدرس، وإن كان للمدرسة دور رئيس وحيويّ في بناء شخصية الطفل نظراً إلى المقدار الزمنيّ الذي يقضيه فيها، إلا أنّها تبقى واحدة من مجموعة عناصر ومؤسّسات مجتمعية شريكة ومؤثّرة وفاعلة في عملية تربية الطفل ورسم ملامح شخصيّته، كشبكة وسائل الإعلام والتواصل والاتّصال (التلفزيون، المجلّات، الإنترنت، الفايس بوك، برامج الهاتف…)، والألعاب الإلكترونية (الكمبيوتر، البلاي ستايشن، الإكس بوكس، و…)، والجمعيات الكشفية، والمحيط القريب والجيران، والأصدقاء، والمساجد، والأندية الرياضية… إلخ، وأهمّ من ذلك كلّه الأسرة والبيئة المنزلية والعائلية بالمعنى الأعمّ، فضلاً عن عناصر كثيرة عقّدت قدرة القيادة والتحكّم والسيطرة على العملية التربوية في عصرنا الحاضر,وتعريف التربية الإسلامية في رأي بعض التربويّين الإسلاميين انطلاقاً من كون الباحث التربويّ الإسلاميّ ينتمي إلى نظام فلسفيّ -دينيّ خاصّ، فإنّه سيُحاول الاشتغال على المواءمة ما بين العلوم التربوية من جهة وبين انتمائه الإسلاميّ من جهة ثانية، فيقوم بأسلمة تعريف التربية، إمّا من حيث الغاية أو الأصول والأساليب، أو المنهج والمصادر… إلخ..فيجب الإشارة إلى أنّه لا بدّ من التمييز بين تعريف تربية الإنسان بالمعنى الأعمّ وبين تعريف التربية المضافة إلى الطفل، فإنّ تعريف التربية بالمعنى الأعمّ ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الأمرين التاليين:أوّلاً أن لا يقتصر على جعل متعلّق التربية هو «الصغير» أي «الطفل» فقط، كما قيّد ذلك في التعريف الأخير، لأنّ العملية التربوية وفق الرؤية الإسلامية مستدامة تبدأ من المهد وتستمرّ إلى اللحد، فتشمل تربية الكبار أيضاً..والثانية أن لا يحصر متعلّق التربية بالآخر فقط، كما في التعريف الأخير أيضاً، لأنّ التربية الإسلامية ليست منحصرة في التربية الغيرية، بل تشمل التربية الذاتية، أي تربية الإنسان لنفسه وتهذيبه لذاته. وهذه نقطة تمّ إغفالها من العديد من علماء التربية المسلمين وغيرهم، مع أنّ نقطة انطلاق العملية التربوية في الرؤية الإسلامية تبدأ من النفس والذات نحو الطفل والآخر. أنّ تعريف للتربية بلحاظ الغاية النهائية التي يُمكن أن نُطلق عليها اسم الهدف الميتا -استراتيجيّ، أي الهدف الأعلى الأقصى الذي يقع في نهاية سلسلة الأهداف طولاً بنحو لا يكون وراءه هدف آخر، فلا تشتمل التربية حينها على الأهداف الوسيطة والكمالات الإضافية,وأنّ التربية ليست هي نفس معرفة الله واختياره ربّاً والخضوع له، بل التربية هي مجموع العمليات التي تؤدّي بالمتربّي في مرحلة عمرية ما إلى الوصول إلى هذه الكمالات,وفي الحقيقة، تصنيف عملية تربية الطفل تحت عنوان: ممهّدات التربية، لا يُغيّر من واقع الأمر شيئاً، إذ النقاش ليس لفظياً، ولا مشاحة في الألفاظ..فالتربية الإسلامية تنطلق من المذهب التربويّ الإسلاميّ الذي يُحدّد العمليات التربوية انطلاقاً من قاعدة أيّ مجتمع نُريد أن نبني، وأيّ مجتمع مطلوب إيجاده في واقع حياة الناس، لا على أساس ما هو المجتمع الموجود كواقع قائم.



