ثقافية

ثلاث حكايات لورد

امين صباح كبة

يدرك مصطفى ان حياته اوشكت على الانتهاء، وان ما بقي منها ليس بالكثير. يحني ضهره ويطلق دفعات من الهواء فتنطفأ الشموع، انه لا يحلم لقد بلغ الستين.
كل اعياده السابقة كانت رتيبة مملة، وقد لا يختلف الاخير عنها كثيرا، لعل ما واساه هذه المرة وجعل عيده افضل هي تلك الشقراء العشرينية التي اهملها وسافر منذ ان شارفت السادسة. صحيح انه غاب عنها طويلا الا انه عاد ووجدها كما هي طفلة.
لم يعرف مصطفى ان من يحسبها طفلة قد اردت بنظرتها عشاقا. ولم يكشف لغز ابتسامتها بعد.
لقد برعت طفلته باسر القلوب وشغلها، وهز الانفس وايقاعها، بسهام اطلقتها بلحاظها.
وعندما عاد، اخذ عهدا على نفسه بأن يعوض حرمانها منه فقد كان يمضي معها معظم وقته، وقد كانت ثرثرتها اجمل مايختم به يومه.
وحدث ذات يوم انه آنس من ابنته تغيرا، ولعله لمس انزوائها وعزلتها وقلة حديثها، حتى خاطبها ذات يَوْم: اسميتك ورد لتعطري ارواحنا بحديثك.
وفكر ان يعطيها مما تعلم دروسا. وهمّ بتنفيذ ما فكر به في هذا اليوم اذ اجلسها امامه واخرج من جيبه ظرفا وعندما فتحته..
الحكاية الاولى
مصرع شهريار
غدت ايام شهرزاد بعد ان عفا عنها شهريار عيدا متصلا، وغدت لياليها مفعمة بالحب والطمأنينة حتى حلت تلك الليلة. اذ شاهدت شهرزاد ان شهريار قد شهر سيفه ليقطع رأسها حينها استيقظت مفزوعة ولم تكمل نومها. حينئذٍ خطرت لشهرزاد فكرة، وفي الليلة التسعمائة بعد الالف قامت شهرزاد بتنفيذ خطتها، حيث اقبل الملك كعادته في وقته المحدد بعد ان انهى يومه وعزل ونصب وحكم بالعدل واستلقى في حجر شهرزاد التي كانت قد انقطعت عن القص منذ ان حكت في منامها قصة الملك طهمان وابنته فاتنة، مما جعل شهريار متشوقا لقصتها الجديدة.
قالت شهرزاد: بلغني ايها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، انه في قديم الزمان، وسالف العصر والاوان، ملك من بلاد ساسان، وكان له جند واعوان، وخدم وحشم. فحكم بالعدل بين العباد، واقتص بسيفه من الاشقياء والاوغاد. وكان هذا الملك يا مولاي يكره النساء، اذ كان يتزوج في كل ليلة من امرأة فيقطع رأسها عند الصباح.
وبينما كانت شهرزاد تروي، استرجع هو ذكرياته وفي تلك الاثناء اخرجت شهرزاد خنجرا كانت قد اخفته ثم طعنته ثلاث طعنات.
حدق فيها بذهول ثم فارق الحياة.
ـ ابي لم افهم شيئا! ثم برقة: حدثني عنه.
ـ من؟
ـ هو.
الحكاية الثانية
المرسم
يذكر جيداً تلك القاعة الواقعه في الطابق الثالث لقسمه. سمع عنها كثيرا قبل ان يدخل الى كلية الهندسة. كان اول ما سمعه عند مقدمه اليها (الرسم لغة المهندسين). كان الاستاذ يعيدها على مسامعهم في كل محاظرة، ولم يشعر هذا الاستاذ ولو للحظة، ان هناك من يكره ان ينطق بهذه اللغة.
يذكر انه اصطنع فيها احلاما انسته ما مر عليه من حوادث، وقد كان يعرف في قرارة نفسه ان تلك الاحلام لم تتعد حدود رأسه. ويهتز كيانه اذا ما تذكر حال الطلاب وهم يثبتون الورقة على تلك اللوحة البيضاء، وقد كان في حينها يسمع اصواتا تتردد في اذنه، ولكنه اهملها ومضى. ولعل ما زاد اطمئنانه وحثه على السير، كان ملاكا يقف بالقرب منه. وقد كانت ملامح هذا الملاك تشبه الى حدٍ كبير ملامح اخته التي توفيت في الانفجار. ولم يلاحظ صاحبنا هذا الشبه الا بعد ان تحركت شفاهها باسمه.
لم يكن له الا ان يدخل في هذا المكان. ويستسلم لما فرض عليه، هذا ما ردده في نفسه عندما سئلهم استاذهم عن احلامهم.
لم يتخيل يوما انه سيمسك بتلك المسطرة، ولم يعرف وقتها كيف يحركها، ولم يعرف لم عليه ان يستخدم المثلثات، ولم يقتنع بما فرض عليه رغم انه استمر لشهر.
وكان يردد في نفسه (ايشاركونه هذا الشعور ام كان شعوره وحده)؟
ولم يحصل على جواب لسؤاله الا عندما دخل المعمل اول مرة.
ويذكر انه سمع هناك تبجحات الاستاذ وهو ينصحهم بان يتركوا ما يدرسون، ثم يذكرهم بعدها بما ضيعوا من فرص.
وهناك في تلك القاعة يقف هو غارقا في بحر عينيها، فيتأمل ملامحها عن قرب كانت تقاسيم الوجه هي هي، وكذلك الصوت، وحركات اليد، وعلامات الانزعاج. كل هذا جعله يتلكأ في حديثه اذا ما وجهت نحوه سؤالا. وكان قد تذكر مقولة قد قرأها لرضوى وهي (ولما غض الطرف علم ان روحه هي التي تعلقت)، وها هي تتعلق بالفعل.
يذكر ايضا ذلك الشاب الذي كان يكبرهم سنا اذ كان يساعدهم في الرسم، ويخفف عنهم بعض الاعباء وكم حاول ان يساعدهم الا انه كان يمقت الرسم فلم تنفع معه مساعدة، وعندما وقفت هي بقربه لتزيح عنه بعض الخوف وقف لاول مرة واثقا بانه سيكمل الرسم، ولكن وفي تلك الاثناء وبينما هو يرسم عادت تلك الاحاديث ولكنها كانت احاديثا مختلفة بعيدة عن احلامه، اذ كانت تذكره بما هو مقبل عليه.
وبينما كان يثبّت مسطرته اعاد احتكاك القلم الى اذنه اصواتا اخرى ولما امعن النظر في عينيها استرجع ذهنه دوي الانفجار، واشلاء اخته، خبر وفاتها الذي وصل اليه عندما كان يحضر للامتحان، ودخوله لكلية الهندسة.
وبينما كان شاردا في افكاره تلك غارقا بكوابيسه وهواجسه، شرح استاذهم رسما فلم يفهمه، فهمّت هي بتعليمه كيفية استخدام الفرجال لرسم الدائرة، وعندما ثبّت الورقة على اللوحة، سمع صوتا يقول بانه لن يثبتها ثانية، كانت يداه ترتجفان وهو يتصفح كتاب الرسم، وكان الصوت في داخله يعلو ويقول: لن تمسكها ثانية.
كان يمقت الرسم، وعندما فرضوا عليَه دراسته كرهه اضعافا، ولكن ما اعجبه في تلك القاعة هو ان اكثر من فيها كان يمقته مثله.
وحينما خط قلمه اخر رسم، رفض ان يسلمه لكي تبقى ذكراه. وابقاه ناقصا من دون ان يكمله لكي يذكر ان حكايته حينها كانت قد انتهت من قبل ان تبدأ.
اعتزم صاحبنا الرحيل، وامضى يومه الاخير وهو يمعن النظر بزملائه، وبجدران جامعته، لقد الف صاحبنا جامعته وتعود على التفافاتها ومبانيها وصخب طلابها المتصل وكان اخر ما فعله انه تطلع نحو ملاكه بحزن ثم رحل.
انتهت ورد من قراءة الظرف الثاني ثم تطلعت نحو ابيها وتبادلت معه بضع نظرات عرفت من خلالها ان البطل كان قد عاد الى ملاكه بعد ان اضناه البعد، وعلمت بعدها انه تزوجها برغم المعارضات، ثم علمت انهما حصدا ما زرعاه عندما رزقا ببنت.
ثم علمت ان حربا دارت بين طائفته وطائفتها، ثم تيقنت من نظراته انه طلق زوجته مرغما وقد اودعها تلك الثمرة التي كانت حينها تبلغ ست سنوات ثم ادركت ان اسم ثمرتهما كان ورد.
تناولت ورد الظرف الثالث وقد كتب عليه (الحكاية الثالثة)، وبعد ان اخرجت الورقة لتقرأها كانت فارغة.
ـ اين الحكاية الثالثة؟
ـ ابقيت الورقة فارغة لتدونيها بعد ان ارحل.
امين صباح كبة
* قصة طهمان وفاتنة قصة روتها شهرزاد لشهريار في رواية احلام شهرزاد لطه حسين في القصة كانت شهرزاد تقص الحكايات وهي نائمة وايضا كانت تمهد لكوابيس شهريار وتأنيب ضميره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى