المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.
الحلقة الاولى
النوافذ والشقوق في الجدران وأي منفذ قد يؤدي للجانب الآخر هي الطريقة الوحيدة التي قد تغيّر مزاج رحيل، وتعدّل فوضى طباعها الغرائبية. تفكيرها لا يهدأ إلاّ حين ترى كوّة أو فجوة تفرّغ من خلالها نشوة التلصّص.
من هنا، من غرفتها بالقرب من خزانة متهاوية نخر السوس أجزاءاً منها والزمن أكل ما تبقى. كوّة صغيرة تطل على زاوية من الحارة العتيقة المسكونة بالضجيج الضيقة بأزقتها، تمضي رحيل أغلب أوقاتها تراقب من خلالها حركات الساكنين والمارّة. رائحة رطوبة الحائط وخشب الخزانة الممتلئ عفونة وتشققات الجدار الآيل للسقوط كلّها لا تؤثر في مزاج رحيل حين تجلس القرفصاء لتسترق النظر.
على الرغم من أنّ أزقة الحارة وشوارعها الملتوية كجسد أفعى ممدّدة بيوم صيفي شديد الحرارة، ورغم أن حاويات القمامة الصدئة وأكياس النفايات السّوداء قد تحجب أحياناً بعض الممرات، إلا أنّ رحيل يمكنها اقتناص الفرصة لتمتع ذائقتها الغريبة بمتابعة كلّ ما يحدث. فهذه الفجوة لها موقع استراتيجي، يُظهر كلّ أجزاء الحارة: شمالاً حيث الأبنية العشوائية التي أقامها سكان المنطقة، تجد الأبواب متقابلة ملتصقة جداً ونوافذ البيوت تكشف المستور. لم يهتمّ القاطنون لأن يبنوا بيوتاً تستر نساءهم وأطفالهم، جلّ ما اهتموا به أن يكون هناك سقف يقيهم القرّ والحرّ. غرباً حيث الدكاكين والمحال وبعض المنافذ التي تؤدي للخروج من متاهات الحارة الضيقة للشوارع الكبيرة، ثمّة عالم آخر يسكن فيه المرفهون وأصحاب الشقق الواسعة والأبنية النظيفة الأنيقة.
لا يهمّ رحيل ما هو خارج حدود الحارة. يكفيها ويسلّيها ويُمتعها ما تراه من خلال النتوءات والنوافذ وشقوق الجدران طوال اليوم. تحبّذ أحياناً الوقوف على شرفة منزلها الواقعة في الطابق الخامس، حيث لم يتعدّ علوّ الأبنية المجاورة الطبقة الرابعة. منزلها هو الأعلى في المنطقة، لم يجرؤ أحد على أن يرتفع بالبناء مخالفاً لقوانين المنطقة إلاّ والدها، ذلك أنّه يملك بعض النفوذ من خلال معرفته كبار المسؤولين في الوزارة التي يعمل فيها. ولكنها على الرغم من ذلك تفضّل الانزواء في غرفتها كي لا يراها أحد تراقب سواء أهلها أم سكان الحي، غير أنّ أحداً لن يلاحظها ويعيرها انتباهاً لصغر سنها ولضآلة بنيتها وقامتها القصيرة. كلّ هذا يساعدها في الاختباء والتواري عن الأنظار حين تمارس هوايتها المفضلة.. التلصّص.
يُتاح للفقراء أحياناً موارد للترفيه غير مُكلِفة يخترعها العقل بحجّة الهروب والتسّلية. لم يكلّفها الكثير هذا التلصّص. كان أجمل من التلفاز وأقرب من دور العرض وأكثر تشويقاً من الألعاب المملّة التي تقوم بها فتيات الحي. هذا لم يمنعْها من مشاركة بعضهنّ باللعب لترضي فضولها وحب الاستطلاع لديها. لم يكن الأمر شقاوة طفولة بقدر ما هو مشاكسة العقل الفضولي الذي يحثّها دوماً على أن تندسّ بين الأشخاص وتراقب أحاديثهم وتصرفاتهم وحركاتهم.
لم تعلم أبداً لماذا أحبّت هذا الأمر، أن تمعن النظر بقفز الفتيات ونشاطهن الزائد في ألعاب تعتمد كلياً على الحركات المفرطة ونظر الشباب لهنّ. لم تنتبه حينها إلى أنّ هذا الأمر يثير الذكور، تضحك مليّاً حين تراودها هذه الفكرة.
الآن
باغتها بالسؤال صديقها الجامعي: «كان التلصّص في صغركِ رحلة لتبحثي عن ذاتكِ»؟ أجابته بعد أن أغلقت الكتاب الذي تحمله بين يديها ببرودة ولا مبالاة: «كلا، رحلة لأفقد الأشياء». نظر إليها مندهشاً «أي الأشياء»؟
«مثل أن أفقد ذاكرتي عند كلّ زاوية، أهرق دماء الذاكرة حيث أقتلها عند كلّ منعطف أعبث بجسد أفكاري فلا أعود أنا.. أصبح أمراً آخر غير ذاتي الملعونة المسكونة بندوب عميقة مؤلمة وأكون أرواح غيري. كيف نصبح غير ما نحن عليه؟ نتسكّع في أروقة الذاكرة. نغتال كلّ ما هو موجع. نصفّي الروح من دمائها الملوثة. وفي آخر المطاف ندفن آلامنا علّنا نصبح كائناً جديداً بلا زمن ولا مكان».«تُضحكني أفكاركِ المعجونة بالخرافة». ينهي رفيقها جملته بابتسامة ساخرة، فتنظر لعينيه علّها تجد آثار الضحك، فلا تجد سوى هلع مخبأ فيهما يتوارى خلف سياج ضحكته. يتابع كلامه وهو يشيح بنظره عن عينيها «حسناً، قبل أن تبدئي رحلة الفقد كيف استوطنتكِ هذه الأشياء؟». أعادت فتح الكتاب الذي مازال بين يديها وأردفت قائلة: «آليتُ على نفسي أن آخذ دور الابنة البارّة. أنظف آثار وبقايا موتهم اليومي المتكرر في الحمّامات، حيث يغسل كلّ منهم آثار ذنوبه، في المطبخ، حيث يعجن الجميع أحلامهم الميتة، في غرف النوم حين يغمض أحدهم قلبه ويلقي بنشوته كذئب ينهش الجثّة النائمة أمامه ليُسيل دماءها ويقذف أنيابه بعيداً بعد أن ينتهي من وليمته.أُجمّع بالخرق البالية كلّ ما يلقون به. ليس كلّ ما يرميه الآخرون سيئاً.هناك نلملم التلصّص على بقاياهم الموؤودة». أعطته الكتاب المفتوح وقالت: «اقرأ». لم يفهم صديقها شيئاً ممّا قالته. ظهر ذلك على وجهه الباهت الشارد. ولكنه تناول الكتاب وأخذ يبحث عما تريد رحيل أن يفهمه. حتى أقرب الناس لنا قد لا يفهمون ما بداخلنا، برغم أنّني حينها لم أكن أملك من الأصدقاء سوى عارف؛ هذا الصديق الذي لا يحمل من اسمه شيئاً سوى مقدرته على الاستماع لي بكلّ حواسه وتركيزه في ما أسرده بغية أن يفهمني. حسناً أنا نفسي لا أفهم نفسي، هل يجب علينا أن نفهم الآخر وأنفسنا؟ سحقاً لمن اخترع علم النفس. لماذا أتعب نفسه وأرهق الآخرين بهذه العلوم المقيتة؟ بل لماذا أرهق نفسي بدراسة علم النفس في الجامعة؟ أظن أنّنا لا ندرس من أجل هدف واضح وغاية مهمة بل ندرس لنخدع الآخرين بما نمتلك. حتى الجامعة ارتدتُها لأخدع أهلي وأولهم أمي التي تعشق الجامعات والدراسة والشهادات العليا والمهمة والمراكز المرموقة. ربما يعود ذلك لأنّها حُرِمت من أحلامها ومُنِعت من سبل تحصيل العلم من أهلها وزوجها. نظرات والدتي للكتب ولمسها لأغلفتها وعناقها لها بلهفة كانت دافعي الوحيد لأكمل دراستي الجامعية كي أجعلها تستعيد حواسها المفقودة في أروقة الصفحات والكتب التي حُرِمت منها. لا يعنيني تحقيق أحلام الآخرين ولم آبه يوماً لذلك ولكن لوالدتي كنت مستعدّة أن أتسلّق أعلى قمم التعب وأجوب شطآن الوجع، ليس لأنها أمّ مضحية بل لأنها الأمّ الضحية. وأنا المخلّص، أو هكذا أرادت أمي، وليكن لها ما تريد.حين أحدث عارف عن أمي، وهي حالات نادرة، فأنا أحاول جاهدة أن أراعي مشاعره التعيسة التي يُبديها لحظة أحتفل فرحاً بذكر والدتي. يكفيه ما قد عاناه سابقاً. أجد نفسي أدور في حلقة مفرغة أعيد دوماً وأكرّر الجمل نفسها، أصارع اللا وعي لأخرج من هذه الدائرة فتبدو لي دوامة تسحبني أكثر وأعمق. صرت على مر الوقت أضيف جملة من خيالاتي أو أحوّر في حديث حتى أجذب انتباه عارف وكي لا يحس بالضجر. علمت حينذاك أنني ذات خيالٍ خصب وحكواتية تعظّم الأمور وروائية ماكرة تعيد وتعيد بخبرة السحرة ما تريد من دون أن ينتبه الآخرون للحيل التي أملكها.



