اخر الأخبار

تربية الشهوات

4540

الشهوة لغة رغبة النفس واشتياقها إلى شيْء: «شَهِيَ الشيءَ وشَهاه يَشْهاه شَهْوَةً واشْتَهاه وتَشَهّاه: أَحَبَّه ورَغِب فيه» والمعنى الاصطلاحيّ للشهوات لا يختصّ بالشهوة الجنسيّة بل يشمل جميع الميول واللذات والرغبات النفسيّة، كحبّ المال، والذهب، والفضّة، والطعام، والشراب، والنوم والراحة… والقرآن الكريم نراه قد استعمل «الشهوة» بالمعنى العامّ، وهو ميل النفس والسعي إلى إشباع ذلك الميل. وجمع في آية واحدة أحبّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء، والبنين، والأموال المكدّسة، والخيل، والأرض المخصّبة، والأنعام،… كما في قوله، سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ من هنا فإنَّ المعنى المراد من الشهوة أعمّ من طلب اللذة الجنسيّة، وهو يشمل الميول الأخرى للنفس، كشهوة البطن، والمال،.. كما أشارت الآية الكريمة السابقة وعدّدت ستة من متاع الدنيا وهي: المرأة، والولد، والمال، والخيول الأصيلة، والمواشي والإبل، والزراعة، وهي أركان الحياة المادّية.. إنّ الشهوة لا تشكّل عيباً يُعاب الإنسان به. وذلك أنّ الشهوة هي سنّة خلقية تلازم الإنسان في حياته. إنّما المشكلة تكمن في الانجرار وراء هذه الشهوات، وإخراجها عن حدّ الاعتدال فالاستغراق في شهوات الدنيا، ورغبات النفوس، ودوافع الميول الغرائزية، وعدم التوازن فيها هو الذي يشغل القلب عن التبصّر والاعتبار، ويُشكّل حاجباً على البصيرة الإيمانية، ويدفع بالإنسان إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة، ويحجب عنه ما هو أرفع وأعلى، ويعطّل الحسّ وأدوات الإنسان المعرفيّة، فيحرمه متعة التطلّع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض، الذي عرّفه الله تعالى أنّه خليفة الله في أرضه,ومن هنا دعت الشريعة الإسلامية إلى الاعتدال والوسطية في التعامل مع الشهوات، فنهت عن إطلاقها وتحررّها بصورة كاملة، كما منعت كبتها وتدميرها. فالإسلام يدعو إلى ضبط الشهوات وتنظيمها واعتدالها، وإلى تقوية روح التسامي في الإنسان والتطلّع إلى ما هو أعلى.. ونستطيع أن نستخلص نظرة الإسلام إلى الشهوات من خلال النقاط الآتية: يمتاز الإسلام بمراعاته للشهوات والغرائز البشرية والقبول بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها. وحرَّم الإسلامُ الرهبانيةَ، لأنها تخالف التكوين والصناعة الإنسانية، وتصادم السنن الإلهية كسنّة الزواج والتكاثر، وتعطل الحياة البشريّة. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.. وتتضمّن الآيات القرآنيّة مقابلة متاعَ الدنيا بنعيم الآخرة، بهدف تحقيق التوازن في سلوك الناس حتّى لا يسترسلوا في تناول شهوات الدنيا، ويستغرقوا فيها، فتشغلهم عن ذكر الله والآخرة.. وإنَّ تعذيبَ الجسد، وتحميلَه ما لا يطيق، ليس من مقاصد الإسلام وأهدافه العليا، ولا من وسائله لبلوغ الكمال الإنسانيّ.
الإنسان إذا لم يتخلق بالأخلاق الفاضلة فهو خارج عن نطاق الإنسانية وداخل في حدود الحيوانية، وذلك بسبب تسلّط الصفات الحيوانية عليه والاتّباع الأعمى لشهوات البطن والفرج، والغضب والعصبية والانتقام والغدر وغيرها من الصفات السبعية، وإذا غلب على الإنسان الجانب البهيميّ فسوف يكون لاهثاً طوال الوقت وراء الشهوات والملذّات الجسدية فيتسافل ليصبح أدنى من الأنعام والحيوانات لتفريطه بنعم الله التي أنعمها عليه والتي تخوّله الوصول إلى أعلى عليين، إنّ الإيمان بالله عزّ وجلّ هو الضمانة والوقاية من المعصية، فكلّما ضعف إيمان العبد كان أكثر جرأة على محارم الله عزّ وجلّ.. وعن أبي عبد الله عليه السلام: «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة» فالنظر إلى الأمور المحرّمة التي تثير الشهوة سوف تترك آثاراً سلبية جداً على خيال الإنسان وتفكيره وحتّى تركيزه. وسوف يصبح مرتعا للصور الفاسدة التي ستجرّه حتماً إلى ارتكاب الأعمال القبيحة، فيغرق شيئاً فشيئاً في رمال الذنوب المتحرّكة التي لو لم يبادر لاستنقاذ نفسه منها سوف ترديه في الهلكة وتقوده نحو الهاوية , وعلى الإنسان المؤمن أن يعمل على تربية نفسه من خلال إخضاعها لحكم الشرع والعقل المنوَّر بنور الشرع، لما لهذه التربية من دور حاسم وفعّال في السيطرة على الشهوات وعدم السماح لها بالتحكّم المطلق بالإنسان. وقد أشارت الآيات والروايات الشريفة إلى ما يمكن أن يقوّي النفس الإنسانية ويعطيها العزيمة والقوى اللازمة لتتمكّن من مواجهة مدّ الشهوة الجارف .. فالعفّة هي صفة نفسية في الإنسان وتعني صون النفس وتنزيهها عن كلّ أمر دنيّ. والتحلّي بالعفة يرفع من مقام العبد ويحصنّه من الوقوع في المعاصي ومنها الشهوات المحرّمة، فعن الإمام علي عليه السلام: «لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى