ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

4475

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 3002 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 4002. الرواية (أحزان الأفاعي) 1102. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 5102، و(مهاجرون) ومضات قصصية 6102. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل الرابع عشر- الأخير

احمر وجه السماء فأدمعت, فضربت الرياح الباب فانفتح، فتسللت ريح عفنة إلى البيت جعلتها تتغير ويحتل ملامح وجهها الباسم غضب شديد, ومن خلف الجبلين انطلقت عاصفة من الرمال والأتربة فضربت جدران البيت فتهاوت عيدان جريد النخل الجاف التي تغطي البيت، فتعرت سماؤنا, فتطايرت الغربان وملأت السماء بأسرابها فوق رؤوسنا وتناغم نعيقها مع عواء الذئاب, فنافست دقات قلوبنا طبول الحرب فتشابكت أيدينا وحاولنا الخروج من البيت لكن دموع السماء تزايدت فعانق الوحل أقدامنا. لم نستطع أن نتحرك خطوة, هدأت العاصفة وانقطعت دموع السماء، فأدركت أن لنا في النجاة نصيب, ولم تمضْ لحظات حتى اخترق سكون المكان صوت أقدام الجند ونباح كلابهم، فحاصروا البيت بقوات كبيرة لم أشهدها من قبل لكن كثيراً ما سمعت عنها حكايات, فهم مجموعة من الجند المختارين بعناية من الإله «نتر» اختارهم بنفسه لحماية القصر وأطلق عليهم اسم حالقى الرؤوس, تم إعدادهم جسمانياً ونفسياً عن طريق تدريبات مكثفة على فنون القتال والاشتباك الحر وعلى التعايش وكيفية التكيف مع الظروف القاسية وخطورة المهام التي يكلف بها والتي تفرض عليهم الانتظار والاختباء مدداً طويلة لانتظار لحظة الهجوم المناسبة ومحرم عليهم أكل الطعام الذي يقدم للجند، فهم يسدون جوعهم من الطبيعة عن طريق أكل أي حيوان بري مثل الأرانب أو الثعابين أو الضفادع، حتى الماء يقومون باستخلاصه من بعض النباتات الصحراوية كالتين الشوكي أو الصبار. أيقنت أنها النهاية وأن الموت قادم بين لحظة وأدناها فالعفن يحاصرنا والجدران تضيق علينا, نظرت إليها فوجدتها حزينة انسلخ نور النهار من وجديها وحل مكانه سواد الليل. صرخت فيها سائلاً عما يحدث، قالت بصوت حزين: إنه رسول الشيطان جاء لتُكتَب النهاية, هيا اذهب بعيداً. قلت: كيف أمضي وأتركك لابد أن أكون بجانبك حتى يرحل رسول الشيطان؟ قالت: لا أظن أنه سيرحل. قلت: فليكن مصيرنا واحداً. قالت: لا يحق لك هذا. قلت: أنا الذي أعطيتني الأمان. قالت: أعطيتك الأمان لتتكلم معي لكن لم أعطِك الأمان لتدفع عمرك من أجلي. قلت: وأنا قدمت عمري من أجل الذي قطف ثمارك قبل أن أراكِ، فكيف لا أدافع عنكِ وأنتِ التي ارتضى الإله بكِ أن تحملي مشعل النور لخلوده؟ قالت: لا يهم هذا الآن فهم هنا من أجلي أنا وليس من العدل أن تلقى أنت رسول الشيطان فتكن نهاية لحكايتك قبل أن تبدأ. قلت: فلتكن النهاية أ ليست حياة إمرأة مثلك تركت الرفاهية بل كل الرفاهية لتعيش الفقر والجوع والمرض والجهل والمعاناة اليومية من أجل حلم كل الرعية تستحق أن أقدم حياتي كلها فداها. قالت بغضب: تلك الحياة مع الأسف هي من نصيب الفقراء والضعفاء من الرعية في العاصمة فقط، لكني وبالرغم من هذا السجن المفتوح الذي أعيش فيه يوفر لي كل ما يوفر في القصر. نهضت ودرت حولها أحاول فك الطلاسم في أروقة أفكاري وأنا أقنعها بأن أواجه الخطر بجوارها وقلت لها: علينا أن نتحد ونعمل معًا حتى أنقذك من هذا الهلاك ونتدبر أمرنا لنحرر الإله «ماو» من أسره ليأتي لنا بالتغيير الذي يحررنا جميعاً. قالت بشيء من الغضب: لا تضيع وقتي ووقتك فلن يأتي التغيير إذا انتظرنا شخصاً آخر، فنحن التغيير الذي نسعى إليه، ومن علمك أننا ننتظر «ماو» حتى يحررنا فهو جاهل استسلم للفوضى وتلذذ باليأس وفقد الأمل في الإصلاح واستسلم للشيطان «نتر» واختار الاستسهال والركون للخمول والكسل المستتر خلف قناع الأمل الزائف في ظهور البطل الذي يحرره وهو جالس في مكانه مستسلماً ولا يتحرك. وإن كان «ماو» من يحررنا فكان من الأولى عليه أن يحرر نفسه بالمحاولة ولا ينتظر من يحرره, وإن انتظرنا فسيكون حالنا كحال الرعية فالكل بانتظار «ماو» ولا يتحرك أحد خطوة لتحرير نفسه. الكل ينتظر غيره ليحرره ولهذا لا تأتي الحرية وإن جاءت على يد «ماو»، ستجد شعباً يريد العودة للحياة الأولى البائسة بل ربما يبكي على ماضيه لأنه لم يقدم لمستقبله شيئاً واتكل على غيره, وإن جاء غيره وحررهم من الشيطان الذي يحكمهم لن يستطيع أن يحررهم من الشيطان الذي داخل كل منهم إلا إذا حرروا أنفسهم وإن لم يفعلوا فسيستمروا على حالتهم الأولى ومن جاءهم بالحرية فسيسكن في قصور مَن قبله ويرتدي الحرير ويظهر من حوله مَن يأخذ الألقاب ويمارس السيادة عليهم وسوف يكون من يتخذ القرار ليس من أصحاب الوعي والفكر والمعرفة، بل من أصحاب الأموال والكروش الممددة. وتعود الرعية مرة أخرى إلى اليأس وبعد ذلك يتحول الرجل الذي سوف يسكن القصر إلى جمع الثروات بعد أن حصل على سلطة الحياة والموت لأنه لم يجد أمامه غير رعية أدمنت البلادة، فيتغير من جاء بالتغيير ويمد يده لحقائب مَن قبله ويأخذ منها سطوتهم.
اهتزت جدران البيت فتحركت بشيء من الفزع نحو جدار البيت، ومضت ترفع عيدان الجريد الجاف التي سقطت داخل البيت فصنعت حاجزاً منع كلبتها من الحركة وأسكت نباحها. مدت يدها وانتزعت الكلبة من وسط عيدان الجريد والوحل، فارتفع صوت نباحها, وما أن اكتشفت الكلبة ما يحدث حولها والجنود التي تحيط البيت حتى انطلقت نحوهم بغضب شديد وكأنها فارس يحمل سلاحه ورفض الهزيمة والانسحاب وقرر الموت بشرف. انطلقت خلفها فأمسكت بيدي فأشارت لي بالتوقف, لا أدري لماذا استجبت لها؟ أهو خوف ما زال في قلبي؟ أم هو فضول لمعرفة ما سوف يجري؟ تحركت «ضوء الياسمين» نحو الباب وتقدمت خطوات ثم توقفت فشق صفوف الجند وكلابهم موكب كبير محاط بالعبيد حاملي الرايات يتقدمه الكهنة وخلفهم الخدم من النساء ويتوسطهم الدون «خرخور» وهم يهتفون «هق يا مق يعيش الإله نتر». شعرت بدوران الأرض حولها وكادت أن تسقط فاتكأت على حائط الباب. فخرج من وسط الموكب المرأة الأربعينية وتقدمت نحوها وأمسكت بيدها وقبلتها وهي تبكي وتقول: لقد باعنا «خرخور» للشيطان «نتر» وعرف بأمرك، فأرسل الموكب ليحملك للقصر لتلدي هناك ليأخذ مولودك ويعلنه ابناً له وحاملاً لعرشه. انهارت وسقطت على الأرض فتقدمت خطوة لأحملها فأمسكت المرأة الأربعينية بيدي وأبعدتها وقالت بصوت غاضب: ابتعد بيدك المرتعشة تلك، فلو لم تهرب وتأتِ إلى بيتها ما عرف الجند مكانها، فابتعد عنها. لقد أردت أن تكون يدك عوناً لي لكنها كانت خنجراً في ظهري. صرخت فيها وقلت: وما ذنبي في هذا؟ قالت: كنت في طريقك الصحيح نحو تحرير العاصمة لكنك نسيت كل شيء عندما وقعت عيناك على أول تغيير في حياتك وأول إمرأة جميلة تقع عليها عيناك فتركت كل شيء., قلت: معي رفاق كثيرون يعملون وسط الرعية. قالت: كما خرجت أنت على رأسك خرج كل منهم على رأسه فتفرقوا فاصطادهم كلاب «نتر» ومنهم من يئس فقدم نفسه قرباناً للإله وتحول لسانه من رسول للأمل والتحرر لشيطان يبعث اليأس في النفوس. صرخت فيها وقلت: بل أنتِ من ارتضى بالخضوع ورفع رايات الاستسلام للشيطان «نتر». قالت بغضب: بل غُلبت على أمري. قلت: لا بل ارتضيت فمن يعلن وريثًا للعرش هو من نسلك. نكست رأسها ثم قالت: يوم أن التقينا واحتضنتك وحميتك وقدمت لك ما أملك من معرفة دون أن أعرفك من قبل لكن تمردك وخروجك عن القطيع جعلني أشعر بالأمل فيك، لكنك مضيت تتعلم وتجمع المعرفة دون أن تقدم على التجربة فأصبح لا قيمة لها وأصبحت أنت كالدواء تراه عين المريض لكن لا تناله يده ولا يسري في جسده فيتعافى. اقترب الجند وحملوا «ضوء الياسمين»، فحاولت أن أتمرد على حالة الإحباط واليأس التي امتلكتني بعد كلامها وأن أقاومهم حتى الموت. فتصدت المرأة الأربعينية لي وقالت: لما فعلته في الرعية من تغيير بسيط وزرعك لشيء من الأمل في نفوسهم، سأجعل الجند يتركونك ترحل فهيا ابتعد وعد من حيث أتيت وإلى ما كنت تنوي فعله.
تحرك الموكب وعادت الرياح المحملة بالرمال والأتربة تضرب وجهي وصنعت دوامة من حولي، فمضيت أصرخ: سأعود يا «ضوء الياسمين»، سأعود يا جوهرة القصر. ولكن لا أسمع صراخي بل أسمع صوت نباح الكلاب يملأ العالم من حولي. فتزايدت صرخاتي حتى هزمتني الدوامة، فسقطت على الأرض، فتسلل إلى أذني صوت المرأة الأربعينية: لا مكان لك هنا مكانك هناك وسط الرعية فأكمل ما بدأت فيهم ومعهم أو كن مثلهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى