أهمية الحرب النفسية


تُعدّ الحرب النفسية من أخطر أنواع الحروب، وأقساها على الإطلاق. فهي تستهدف قلب الإنسان وعقله وسلوكه وتقوده نحو الهزيمة والاستسلام بعد القضاء على روح المواجهة لديه.وهي لا تستهدف الأفراد فقط بل تستهدف كلّ فئات المجتمع. وعُرِّفت الحرب النفسية بتعاريف مختلفة، منها: أنّها عبارة عن إجراءات يتّخذها الطرف الأوّل نحو الطرف الثاني من خلال الدعاية والإعلام بشتّى ألوانها للسيطرة على أفكار الآخر ومشاعره وعواطفه وسلوكه ومعنويّاته,وتهدف الحرب النفسية إلى تحطيم الروح المعنوية وزعزعة الإيمان بالهدف المنشود والتشكيك في القيادات المسؤولة وبثّ الفرقة بين صفوف المجتمع وزرع اليأس وعدم الثقة وروح الاستسلام في النفس، وبالتّالي إضعاف الجبهة الداخلية لأيّ مجتمع وإحداث الثغرات فيه.فالحرب بوساطة السلاح تستطيع أن تُدمّر القوّات والمعدّات، والحرب الاقتصادية يمكن أن تحرم الخصم من المواد والموارد الحيوية، أمّا الحرب النفسية فهي تستطيع أن تُحقّق ما هو أخطر وأعمق أثراً، إنّها تُجرّده من أثمن ما لديه وهو إرادته القتالية، فهي تستهدف في المقاتل أو المواطن عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه لكي تُحطِّم روحه المعنوية وتقوده إلى الهزيمة,وتُعدُّ دائرةُ الحرب النفسية كما ذكرنا أكثر اتساعاً من دائرة الحرب العسكرية، ذلك أنّها تمتدّ من الناحية الزمانية على فترة أطول، حيث تبدأ قبل مدّة من بدء الحرب العلنية، وتستمرّ بعدها بمدّة أيضاً.ومن الناحية المكانية، لا تنحصرُ الحرب النفسية في جبهة القتال، بل تطالُ آثارها الخطوط الخلفية للجبهة. وعليه، فالأفراد الذين ليسوا في حالة مواجهة عسكرية هم أيضاً عرضةٌ – وبشكل مباشر – لتهديدات الحرب النفسية، حيث تُشَاهد آثارها على أفكارهم وتصرّفاتهم.وفي بعض الموارد، يكون سلاح الحرب النفسية أكثر فعاليّة وتأثيراً من سلاح الحرب العسكرية. والسبب في ذلك أنّ الحرب النفسية إنّما تنال من أفكار المجاهدين وعامّة الناس ومعنوياتهما، ومن خلال آثارها الإيجابية أو السلبية، تدفع بهم أكثر إمّا نحو الاستمرار في الحرب أو العدول عنها.ولهذا السبب، يُلاحظُ أحياناً أنّ جبهةَ قتالٍ بعددِ جنودٍ قليل وتسليحٍ غير كافٍ، ولكن مع وجود معنويّات قويّة واعتقادٍ راسخ بصحّة الطريق، تنال النصر.وفي المقابل، نجدُ أنّ فئة كبيرة قد تقبلُ الاستسلام أمام العدوّ – حتى قبلَ أن تحصل الهزيمة العسكرية فعلياً – بسبب عدم وجود معنويات قويّة.وعلى المجاهدين وقيادتهم أن يمتلكوا زمام المبادرة في الحرب النفسية كما هو الحال في الحرب العسكرية، وأن يُعجِزوا العدو، ويقتربوا من النصر عن طريق القيام بهجوماتٍ متكرّرة، وردّ الحملات النفسية التي قد تُشنُّ عليهم.
إنّ الوحدة بين القوات المجاهدة من أفضل العوامل على الإطلاق، فهي ترفع المعنويات وتبعث الطمأنينة فيهم عند لقاء العدو، وتوفّر لهم أسباب الانتصار. ولأجل تحقيق هذا الغرض، حثّ القرآن الكريم المؤمنين على الوحدة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.وبهدف إيجاد الوحدة بين المؤمنين، عمد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى إقامة عقدٍ للأخوّة فيما بينهم، وحيثما كان يشمّ رائحة الاختلاف بين المؤمنين، كان يسارع بكلماته البليغة إلى وأد هذا الاختلاف في مهده، ويزيل أرضية وجوده واستمراره.وإن إيجاد الاختلاف أو تقوية الموجود منها بين صفوف العدو، يُعدُّ من العوامل الفعّالة في الحرب النفسية، لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن ينشغل العدو بنفسه، وإلى سلب فرصة إثارة الفتن والمكائد من يده..فالأعداء الذين حضروا إلى ساحة القتال وهم يحملون عقائد واهية وباطلة، وهم يظنّون أنّها الحقّ، يمكن أن تُسلبَ القدرةُ منهم والمبرّرات بمجرّد بيان الحقائق والوقائع الصحيحة. ومثل هذا العدو، إن أمكننا أن نبدّل يقينه إلى شكّ، لن يحتاج بعدها إلى كثير عمل نقوم به في مواجهته، ويمكن هزيمته بسهولة ولهذا السبب ذُكِرَ في الفقه الإسلامي لزوم الدعوة إلى الإسلام قبل جهاد العدو ومقاتلته. وفي سيرة المعصومين عليهم السلام ما يحكي عن ذلك بوضوح. فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام خلال الحروب، يسعى بقوّة – قبل بدء المعركة – إلى هداية أعدائه وتغيير ما هم عليه، وذلك عن طريق إلقائه أو أحد قادته، لخطبة أو حديث على مسامعهم.وطبعاً لا تنبغي الغفلة عن أنّ العدو في هذا النوع من الحرب النفسية، يعمد إلى بذل جهود مقابلة لإضعاف قدرة المجاهدين. فرَفْع جيش معاوية للمصاحف على رؤوس الرماح في معركة صفّين كان لأجل تحقيق هذا الغرض، وهو ما أدّى بالفعل- وعن طريق إدخال الشكّ في نفوس كثيرين من جند الإمام علي عليه السلام – إلى دفع هؤلاء الجنود للضغط على الإمام عليّ عليه السلام لقبول وقف الحرب والتحكيم المفروض.
يجب أن يعمد المجاهدون، وبالاستفادة من الطاقات الفاعلة ووسائل الإعلام العامّة، إلى التبليغ بأفضل صورة.من الضروري مواجهة دعايات العدو، وتحوز مسألة الحذر من شائعاته أهمّيّة كبرى في هذه الحرب النفسية، لأنّ العدو يسعى عن طريق بثّ الإشاعات إلى حرف توجّهات المجاهدين والإضعاف من عزيمتهم.وفي يوم عاشوراء، كان الإمام الحسين عليه السلام يواجه الأعداء عن طريق إطلاق الشعارات التي تُبيّن هدفه، وذلك ردّاً على أكاذيب العدو أيضاً. ويقول الشهيد مطهري قدس سره حول هذا الأمر: «لقد أطلق أبو عبد الله عليه السلام في يوم عاشوراء شعارات كثيرة، بانت فيها روح نهضته.



