العدل سيد الفضائل


العدل ضدّ الظلم، وهو مناعةٌ تردع صاحبها عن الظلم وتحفّزه على أداء الحقوق والواجبات. وهو سيّد الفضائل وقوام المجتمع المتحضّر، والارتباط العميق والصحيح بالحقّ تعالى، وسبيل السعادة والسلام. وقد اهتمّ الإسلام اهتماماً شديداً بهذه الفضيلة وأمر بها في القرآن والسنّة قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وقال عزّ اسمه: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾. وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: “قال أَمير المؤمنين عليه السلام: اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان”. وعنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: “إنّ الناس يستغنون إذا عدل بينهم، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها بإذن الله تعالى”. عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: “استعمال العدل والإحسان مُؤذِن بدوام النعمة”. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: “العدل ميزان الله في الأَرض، فمن أَخذه قاده إلى الجنّة، ومن تركه ساقه إلى النار”. وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: “العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان”، وعنه عليه السلام أيضاً، قال: “شيئان لا يوزن ثوابهما، العفو والعدل”. فالنفوس السليمة فُطرت على حبّ العدل وبغض الظلم. وقد أجمع البشر على مرّ التاريخ، ورغم اختلاف الشرائع والمبادئ، على تمجيد العدل وتقديسه والتغنّي بفضائله ومآثره والتفاني في سبيله. وكيف لا؟! وهو رأس الإيمان، ومن صفات أولي الأمر، وباب البركات ودوام النّعم، وميزان الله في أرضه، الذي من تمسّك به قاده إلى جنّة الرضوان والنعيم، وهو سرّ حياة المجتمعات، ورمز فضائلها، وقوام مجدها، وضمان أمنها ورقيّها ورخائها. وما دالت الدول الكبرى وتلاشت الحضارات العظمى إلا بضياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقد كان أهل البيت عليهم السلام المثل الأعلى للعدل، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروساً خالدة تنير للإنسانية مناهج العدل والحقّ والرشاد. وها هو سيّدهم أمير المؤمنين ومولى الموحّدين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: “والله، لئن أبيت على حَسَكِ السَّعْدان مُسَهَّداً، أو أُجَرَّ في الأغلال مُصَفَّداً، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يُسرِعُ إلى البِلَى قُفولُها، ويطول في الثرى حُلولُها؟!”. وللعدل أشكالٌ وصورٌ متعدّدة، منها ما هو مرتبطٌ بالله عزّ و جلّ، ومنها ما هو مرتبطٌ بالمجتمع، ومنها ما هو مرتبطٌ بالولاية والحكم. أ- عدل الإنسان مع الله عزّ و جلّ: الذي خلق الإنسان وسوّاه وأفاض عليه من أنواع النعم والكرامات ما يعجز اللسان عن إحصائه ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ومقتضى العدل والإنصاف أن يؤدّي الإنسان ما عليه من واجبات وحقوق تجاه الإله المنعم، والتي تتلخّص بالإيمان به، وتوحيده، والإخلاص له، والتصديق برسله وحججه على خلقه، وعبادته، وطاعته، وترك معصيته. وعدل الإنسان مع المجتمع: من خلال رعاية حقوق أفراده وكفّ الأذى عنهم والإساءة إليهم، والتعاطي معهم بكرم الأخلاق، وحسن مداراتهم وحبّ الخير لهم، والعطف على بؤسائهم ومعوزيهم ونحو ذلك من محقّقات العدل الاجتماعي. وقد لخّص الله تعالى هذا النوع من العدل بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ج- عدل الحكّام: بما أنّ الحكام هم ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة، فهم أجدر الناس بالعدل، وأولاهم بالتحلّي به، فبعدلهم يستتبّ الأمن، وتشيع المساواة، ويسود الرخاء والسلام، وبجورهم تنتكس كلّ الفضائل، وتغدو الأمّة في قلق وحيرة وضنك وشقاء: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.



