الدعاء فطرة لدى الإنسان


في فطرة كلّ امرئ وفي نفسه طريق يسير به إلى الله: “وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” هذا الطريق يفتح قلب الإنسان عليه سبحانه ليلجأ إليه ويدعوَه ويعتمد عليه، إنّه أمر أصيل في فطرة الإنسان وطبيعي في وجوده، هذه الفطرة قد تغطيها حُجُب الإثم والشقاء، لكنّها لا تلبث أن تنجلي وتتحرّك وتبرز للعيان وذلك عندما تتعرّض للإبتلاء وتتقطع بها الأسباب التي كان الاعتماد عليها، حيث يتوجّه الإنسان حينها إلى قدرةٍ يعتقد بأنها قادرة على غلبة وقهر الأسباب والعلل الظاهرة، وهو في ذلك إنّما يلتجأ إلى الله القدير حيث يدعوه واثقاً بقدرته. فحتى أشقى الأشقياء، نجده عند الإبتلاء وعندما تتقطع به الأسباب قد انتابته هزة تحرّك كيانه كله فيلجأ إلى الله سبحانه وتعالى. إنّ غريزة الدعاء والإلتجاء إلى إله غير مرئيّ، هي من الغرائز البشريّة العليا، التي لا بدّ أن يعرفها الإنسان ويعرف هدفها، فهي الهادية والمرشدة له، وكلّ غريزة من هذا القبيل لا يكون وجودها عبثيّاً في الإنسان، بل وُجدت بناءً وتلبية لحاجة ضرورية لديه ألا وهي توجّه الإنسان إلى قدرةٍ قادرةٍ على غلبة وقهر الأسباب والعلل الظاهرة، وبعبارة أخرى إلى الله القدير ووُجدت هادية ومرشدة ليتحرّك هذا الإنسان في سبيل سدّ تلك الحاجة. وهذه الغريزة ما دامت موجودة فيه فإنّ لها واقعاً وحقيقة في الخارج. (فهي تشبه إلى حدّ كبير بغريزة الرضاع لدى الطفل الوليد حيث يروح يبحث عن ثدي أمّه، ذلك الثدي الذي يناسب هذا الطفل ويحمل له الغذاء الضروري لحياته). وهناك حالتان يدعو الإنسان فيهما ربه: الإنقطاع الإضطراريّ: وهو ذلك الدعاء الذي يتوسّله الإنسان إذا ما ابتلي بالمصائب والمحن، وأُوصدت في وجهه الأبواب وانقطعت به العلل والأسباب. حيث إنّه يتوجّه تلقائياً وغريزياً إلى الله وهذا النوع من التوجّه نحو الله لا يعتبر كمالاً إنسانيّاً. والإنقطاع الإختياريّ: وهو الدعاء في حالة رخاء الحال واطمئنان البال، حيث يدعو الإنسان ربّه شاكراً ألطافه وخيراته؛ إذ يعلم أنّه هو الذي أنعم عليه بهذه النعم ومنّ بها عليه فيدعوه شاكراً لما سبق من أنعمه سائلاً أن يديمها عليه ويزيده من فضله، أن يبعده عن غضبه ويقرّبه من طاعته ليؤدّي حقّ شكره. وهذا التسامي النفسي هو الذي يعتبر كمالاً لهذا العبد الشكور. كما إنّ للدعاء مجموعة شروط لا بدّ من توفّرها: أولا- أن يدعو الله بكلّه، بحيث يتحول بكامل وجوده إلى صورة احتياج وطلب. ثانيا- أن يدعو مع الإعتقاد الجازم بأنّ باب الرحمة الإلهية الواسع لا يغلق أبداً. ثالثا- أن لا يكون دعاؤه على خلاف سنّة التكوين ولا مخالفاً للشرع. رابعا- أن تكون أعمال الداعي غير مخالفة للشريعة. خامسا- أن لا يكون هو المسبّب للحالة التي يدعو الله أن يخلّصه منها. عن أمير المؤمنين عليه السلام: “الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر” فلا بدّ من الإستفادة من الوسائل التي هيّأها الله للإنسان ووفرّها له لكي يقضي بها حوائجه، ومن هنا جُعل من الذين لا تستجاب لهم دعوة: “.. رجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالطلب؟!”، وهكذا بقية الأمور التي يكون الإنسان نفسه قادرا على حلّ مشكلتها بيده بالعمل والتدبّر، لكنه يقصّر عن ذلك فلا يعمل أبدا ويلجأ إلى الدعاء، فإن الدعاء لا يقوم مقام العمل وإنما هو مكمل للعمل ومتمم له.



