الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية
الجزء الخامس العاش
الدواعي الإستراتيجية لإعتماد أميركا خيار القوة الناعمة
يشير الادب الخاص بتغيير الدول لإستراتيجياتها الخارجية إلى أن هناك أربعة أنماط وفقًا للمفكر تشارلز هيرمان (Charles Hermann):
أولا: ما يمكن وصفه بالتغير “التكيّفي”, ويقصد به التغيّر في مستوى الاهتمام الموجه إلى قضية ما مع بقاء أهداف السياسة وأدواتها تجاه التعاطي مع تلك القضية كما هي من دون المساس بها أو تغييرها.
وثانياً: وهو ما يطلق عليه التغيّر “البرنامجي”, والذي ينصرف إلى تغيير أدوات السياسة ووسائلها من دون أي تغيير فيما يتعلق بالأهداف والغايات المقصودة من ورائها. وثالثاً: ما يسمى بالتغير “الهدفي”, وفي هذا النمط تتغير أهداف السياسة ذاتها ومن ثم تتغير أدواتها ووسائلها بالتبعية. ورابعاً: التغير “التوجهي”, وهو أكثر الأنماط الأربعة جذريةً إذ ينصرف إلى تغيّر يمس التوجه العام للسياسة الخارجية للدولة بما في ذلك تغيّر الاستراتيجيات وما يتبعها من أهداف وغايات ووسائل وأدوات. ولا يمكن فهم أي تغيير في الإستراتيجية بمعزل عن البيئة التي تطبق فيها. ويمكن القول بأن سلسلة الهزائم العسكرية الأميركية والأطلسية في حربي أفغانستان والعراق وفي لبنان وغزة وبمواجهة إيران ومحور المقاومة، والصعود الآسيوي الصيني الروسي ودول البريكس والأزمة المالية الاميركية والغربية التي اندلعت عام 2008 من العوامل التي دعت إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية وساهمت في انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة نهاية عام 2008 وهزيمة مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش الابن. وبحضور كبار قادة المؤسسة العسكرية الأميركية وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق ليون بانيتا، Leon Panetta، ورئيس هيأة أركان القوات المشتركة وقادة الأسلحة المختلفة، ومن على منصة مؤتمر صحفي عقده في مقر وزارة الدفاع، أماط الرئيس الأمريكي اوباما اللثام عن أهم ملامح المراجعة الإستراتيجية، أو ما أصطلح على تسميته بـ “الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة وتعزيز استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم – أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين”:
Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for st Century Defense وتتكون الوثيقة من 128 صفحة، وقد استغرق وقت صياغتها عاماً كاملا, وشارك في إعدادها 700 شخصية من وزارة الدفاع ومنظومات التسليح ومراكز الدراسات المعنية وخبراء عسكريون بهذا الشأن. وما يثير الانتباه حقا أن هذه الاستراتيجية قد صدرت بعد مرور حوالي عام ونصف تقريبا على صعود هذه الإدارة (ادارة اوباما). وهذا يعني أن إدارة أوباما الديمقراطية، قد ظلت طوال العام والنصف تقريباً بلا استراتيجية أمن قومي، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتماد وجهة نظر افترضت أن إدارة أوباما تبنت استراتيجيات حقبة بوش. ويمكن القول إن السطور الأولى في هذه الاستراتيجية تلخص أزمة العقل السياسي الأميركي المعاصر، الذي مازال أكثر تمسكاً بمشروع السيطرة على العالم, وهي السيطرة التي أطلق عليها الحزب الجمهوري تسمية “الهيمنة الأميركية على العالم” وأطلق عليها الحزب الديمقراطي تسمية “قيادة أميركا للعالم”، ورغم الفرق الشكلي فإن المضمون هو نفسه بين القيادة والهيمنة. ومن جديد تلك الإستراتيجيات اعتماد الحروب الذكية في المجال العسكري ودبلوماسية القوة الذكية في السياسة الخارجية. الحرب الذكية عرّفها ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي السابق بأنها “الجمع بين القصف المنظّم والدقيق التصويب، والقوة الجوية والبحرية الضاربة، والتفوّق الإلكتروني والمعلوماتي”. وهي تحوّل جوهري من عقيدة الحرب على جبهتين أو بمسرحي عمليات إلى عقيدة القيادة من الخلف، Leading From Behind، أو الحرب الخاطفة ذات العمليات الجوية والبحرية المحدودة، بفرق خاصة خفيفة، وتوظيف لمنظومة مُعقّدة ومتكاملة لأحدث تقنيات التشويش والتجسس والاختراق والتنصت، وتكنولوجيا المعلوماتية والحرب التكنولوجية واستخدام الطائرات دون طيار Drones. أما دبلوماسية القوة الذكية فقد عرفتها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بتاريخ 13 كانون الثاني 2009 بما حرفيته “أنا أعتقد أن الزعامة الأميركية كانت ضعيفة وغائبة، لكنها الآن ما زالت مرغوبة.



