الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء الحادي عشر
مفهوم القوة الناعمة تعريفها وأركانها
عرف منظر “القوة الناعمة” البروفسور جوزيف ناي القوة الناعمة قائلاً “انها القدرة على الجذب لا عن طريق الإرغام والقهـر والتهديد العسكري والضغط الإقتصادي، ولا عن طريق دفع الرشاوى وتقديم الأموال لشراء التأييد والموالاة، كما كان يجري في الإستراتيجيات التقليدية الأميركية، بل عن طريق الجاذبية، وجعل الآخرين يريدون ما تريد” وتنشأ القوة الناعمة من “الجاذبية الثقافية لبلد ما، والمثل السياسية التي يحملها، والسياسات التي ينتهجها في الواقع، وعندما تبدو السياسات الأمريكية مشروعة بنظر الآخرين تتسع القوة الناعمة الأمريكية. وعندما نجعل الآخرين يعجبون بالمُثل التي نؤمن بها، ونجعلهم يريدون ما نريد فإننا لن نضطر الى الإنفاق كثيراً على موارد السياسات التقليدية – العصا والجزرة – أي على عوامل الإرغام العسكري والإغراء الاقتصادي. ومن أهم المثل الأميركية التي لها قدرة على تحريك وجذب الآخرين نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وإتاحة الفرص للأفراد” .وأضاف “القوة الناعمة ليست شبيهة بالتأثير فقط، إذ ان التأثير قد يرتكز إلى القوة الصلبة للتهديدات والرشاوى المالية، وهي أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على الاستمالة بالحجة، ولو أن ذلك جزء منها، بل هي ايضاً القدرة على الجذب، والجذب كثيراً ما يؤدي إلى الإذعان” وهي أيضاً “القدرة على تشكيل تصورات الآخرين وترجيحاتهم وخياراتهم وجداول أعمالهم، عبر الإيحاء للآخرين مثلاً أن جدول اعمالهم السياسي بعيد عن الواقع” . وعند تعريف القوة الناعمة من خلال السلوك تصبح ببساطة “القوة الجاذبة المفضية إلى السلوك المرغوب والمطلوب”. وفي مقابلة مع جوزيف ناي قال “القوة الناعمة تعتمد على ما يجري في ذهن وعقل المتلقي” . وفي مجال آخر أكد جوزيف ناي قوله الخطير “لا يمكن لأية حملة تواصل استراتيجي مهما كبرت وتوسعت من أن تؤثر في المجال العام للآخرين وهي تروج لشعارات ومطالب وقضايا وقيم وسياسات غير مرغوب بهــا شعبياً”. لكن روبرت غايتس وزير الدفاع الأميركي السابق عرّف القوة الناعمة وفق خلفيته العسكرية واصفاً لها بأنها “القدرة على تحديد وتوجيه السلوك بدلاً من فرض الإرادة”. في حين عرّفها مايكل آيزنشتات الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى بأنها “استخدام الأقوال والأفعال والصور الانفعالية في إطار حملة إستراتيجية للتواصل، طويلة المدى لتشكيل الحالة النفسية لبلد معادٍ لأميركا مثل إيران”. وحدّد أن نسبة الأقوال والتصريحات الإعلامية يجب أن تشكل20% من حملة التواصل الإستراتيجي الناعمة، في حين تتشكل 80 % الباقية من برامج وأفعال وتحركات ملموسة على الارض”. وعرفتها الباحثة “آنا سيمونز” أستاذة مادة التحليل الدفاعي في كلية الدراسات العليا للبحرية الأميركية NPS بأنها “الجيل والنمط الرابع من حروب المستقبل، بالنظر إلى تبدل موازين الحروب العسكرية التقليدية، وفشل نمط حرب المدن، ونمط مكافحة التمرد، وتتميز بأنها تستهدف السيطرة على الناس، من خلال الدبلوماسية العامة والاتصالات الإستراتيجية وعمليات المعلومات والتلاعب بالمفاهيم والمشاعر، بعيداً عن احتلال وتدمير المدن ومهاجمة المواقع والقواعد العسكرية واستخدام سلاح الجـو، وغيرها من الأسلحة .وبناء على مجمل التعريفات، تتشكل القوة الناعمة من خمسة أركان وقدرات هي:
أولاـ القدرة على تشكيل تصورات ومفاهيم الآخرين وتلوين ثقافتهم وتوجيه سلوكياتهم.
ثانياـ القدرة على تشكيل جدول الأعمال السياسي للآخرين سواء الأعداء أو المنافسين.
ثالثاـ القدرة في جاذبية النموذج والقيم والسياسات وصدقيتها وشرعيتها بنظر الآخرين.
رابعاـ القدرة على فرض إستراتيجيات الاتصال على الآخرين “من يتصل أولاً وكيف”.
خامساـ القدرة على تعميم رواية وسرد الوقائع “الفائز اليوم من تفوز روايته للأحداث”.



