الرؤية والبصيرة السياسيّة
إنّ العنصر المؤثّر الثالث في التحليل السياسي هو الرؤية والبصيرة السياسيّة للمحلّلين. فكلّما كان المحلّل السياسي على درجةٍ أكبر وأعمق من الرؤية والبصيرة كان أكثر نجاحاً في تحليله، وحيث إنّ البحث عن (البصيرة) موجودٌ في كتابنا (الأخلاق السياسيّة)، فإنّنا نُحيل القارئ الكريم إليه، ونكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور الآتية:على المحلّلين أن يبذلوا كلّ جهدهم ويشمّروا عن سواعدهم من أجل إيجاد المقتضيات ورفع الموانع الماثلة أمام تحقيق بصيرتهم الإيمانيّة ورؤيتهم الإلهيّة,وعلينا أن نسعى دائماً من أجل تحصين بصائرنا في مواجهة الآفات، وأن نبذل كلّ ما بوسعنا من أجل المحافظة عليها وتطويرها,وإنّ المراد من البصيرة السياسيّة هو التمتّع بالذوق السياسي، وهو أمرٌ يختلف عن التخصّص، فمن المحتمل أن يكون الشخص متخصّصاً بالسياسة، ولكنّه في الوقت نفسه يفتقر إلى البصيرة السياسيّة,وإنّ الفرد الذي يتمتّع بالرؤية والبصيرة السياسيّة، لا يكتفي بظواهر الأحداث والوقائع، وإنّما يتجاوزها ليصل إلى أعماقها ويسبر غورها وباطنها. فلا يمكن للفرد أن يكون بصيراً بالسياسة إلاّ إذا تمكّن من سماع ما لا يقال، وقراءة ما لا يُكتب، ورؤية الخفي من الأمور,ومن هنا يكون تعريف البصيرة السياسيّة كالآتي: (البصيرة تعني: قراءة ما خلف السطور، وسماع ما يغيب عن السمع، ورؤية ما خفي من الأمور),وعلى هذا الأساس يمكنه التنبّؤ بالأحداث والوقائع السياسيّة.
مقتطفات من كتاب التحليل السياسي



