ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

2842

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل الرابع

أمسكت بيد الليل وحملتُ جسدي النحيل وخرجت من الغرفة الزجاجية كالطفل التائه الذي يبحث عن أمه. شيء ما دفعني للخروج والبحث عن تلك المرأة الأربعينية التي اختفت من أمامي وكأنها شبح خرج من المرايا وعاد إليها, وسؤالها عن “ماو” ما زال صداه في أذني وعيناها الحزينتان ما زالتا أمامي, وصمتها الغريب وهي تختفي ما زال يشغل عقلي الحائر الذي ما زال يبحث عن تفسير, وحجم الألم في صوتها يجعلني أنسى آلامي وأفكر فيها لكن لماذا اختفت؟ ولماذا لم تتأنَ لحظات حتى تسمع رداً مني؟ أكملت خطواتي وسط السكون الرهيب والصمت القاتل الذي يخيم على كل الممرات الضيقة داخل الديوان, أبواب كثيرة تصادفني كل باب يشبه الذي يسبقه وكل غرفة تشبه التي كنت بداخلها وكأنني لم أخرج وإنما أفتح الباب من الداخل, أفكر أحياناً أني أعرفها وأن صوتها لم يكن غريباً عني بل كان رفيقًا لي في وحدتي. تخرج من داخلي صرخة تناديها: قربيني أكثر منكِ أريد أن أرى ما في داخلك, أ أنتِ الطريق الذي تكتمل فيه أحلامي؟ أم أنتِ فقط دليل له؟ يا لحظي العسر، لقد أصبحت مثل كل الرعية أطرح أسئلة لا يوجد لها أجوبة, دائماً ما تخذلني الحياة، متى أجد من أثق فيه؟
أكملت طريقي ودغدغة همسات الأفكار والأسئلة تعبث بعقلي, هل تأتي؟ ومن تكون؟ كفى، كفى، عليّ أن أنتظر ما سيأتي لكن هذا لا يمنع أن إستمر وأكتشف أسرار ذلك المكان الغريب. نعم، نعم، الأمر يتطلب مني بعض الوقت والصبر وهذا ليس بصعبٍ عليّ، فأنا الذي عشت عمري أواسي الدموع وأغزل من الحزن ثوب الأمل. وإن استمرت المتاعب فهذا معناه أنني على قيد الحياة, وإن تتغير دقات القلب فهذا معناه أنني أكثر الناس في العاصمة سعادةً أو ألماً. إذا خرجت من هنا حياً فهذا معناه أنني إكتشفت شيئاً جديداً في تلك العاصمة المظلمة, لا أرى سبباً للتراجع أو الاستسلام والآن ماذا عليّ أن أفعل؟ اخترق أذني صوتها الهامس الناعم الحزين وقالت: يستطيع الناس فتح أبوابهم من دون مساعدة وأنت بداخلك شخص آخر متمرد لذلك أنت تستطيع فعل هذا, فالشجرة التي لا تطرح ثماراً فهي فاسدة واقتلاعها من جذورها خير للجميع. استدرتُ ونظرتُ إليها وقلت: لا أدري ما الذي يجعلني بهذا الضعف؟ الحياة في كل مكان لكن لا أجدها في داخلي مهما بحثت عنها, شي غريب لا يتركني أعيش ولا أموت. كثيراً ما كنت أقف على قبور الموتى وعندي شعور بأنهم يريدون أن يقولوا لي شيئًا ما, أبحث عن باب للحياة ولكن لم أجد غير حوائط الجوع والخوف, أمسكت بيدي وتقدمت خطوة للأمام وقالت: هيا امضِ خلفي فسوف تجد اليوم إجابات عن كل الأسئلة وسوف تشهد عيناك اليوم باب الحياة.
دخلنا الغرفة الزجاجية مرة أخرى, لا أعلم إن كانت هي الغرفة التي كنت فيها منذ أن دخلت ديوان القرابين أم غيرها من الغرف التي شاهدتها وأنا أبحث عنها وأحاول أن أكتشف المكان. فُتح وسط الجدار الزجاجي باب كبير ودخلت وأنا خلفها في استسلام تام, وخلف الباب كانت أبواب وكلما فُتح باب اتسع الممر وارتفعت أرضيته حتى شعرت أنني أصعد نحو السماء أحاول أن أنطق بكلمة أو سؤال لكن لساني أصابه شيء من العجز حتى عقلي توقف فجأة عن التفكير. تسللت إلى أنفي رائحة طيبة لم أعهدها من قبل. توقفت أمام باب صغير لحظات ثم استدارت ونظرت نحوي ثم عادت إلى موضعها وفتحت الباب فوجدتني أعود إلى الغرفة الزجاجية نفسها التي كنت بها. أصابني الذهول والدهشة وضربت رأسي عشرات الأسئلة: كيف نعود إلى الغرفة نفسها برغم المسافة الطويلة التي قضيناها في السير نحو الأمام والصعود إلى أعلى؟ ابتسمت وقالت: تقدم نحو الأمام وانظر ما خلف الحائط. تقدمت إلى الأمام ونظرت إلى الحائط فلم أجد شيئاً. اقتربت مني وقالت: افتح عينيك. ابتسمتُ وأنا أحني رأسي لها واعتذرت لها بعدما اكتشفت أنني كنت أغمض عيني من الذهول والدهشة التي أصابتني. فتحت عيني وإذ بي أجد أمامي حديقة كبيرة على شكل عين كبيرة يتوسطها مبنى ضحم. اقتربت مني أكثر ووقفت بجواري وهي تنظر إلى الأمام نحو تلك العين وقالت: أنت حالة فوضى وأنا حالة يأس, عشت وحيداً وكذلك أنا, لم تشهد عيناك هذا العالم من قبل كما كانت عيناي لم تشهد العاصمة من قبل, هل تدري ما هذا؟ أحنيت رأسي وقبل أن أجيب قالت: لا تعرف وأنا أعرف أنك لا تعرف, مثلك مثل كل سكان العاصمة والآن دعني أروي لك قصة.
هذا هو القصر الملكي للإله “نتر” وهو الهيكل الوحيد المتبقي من مجمع فخم داخل قلعة كبيرة فوق تل يطل على البحر من الجهة الشرقية للعاصمة, شيّده الإله “بابا” وكان يضم مساكن لعائلة الإله “بابا” وحرسه الخاص وعدداً من الخدم والموظفين وجناحاً خاصاً للكاهن الطبيب، ويتميز القصر ببلاطه المميز ونوافذه الملونة، يُنظّم القصر حول فناء شاسع كبير، تم بناء القصر بالجرانيت وحجارة سوداء لا تتأثر بالرطوبة، تتكون الواجهة المطلة على الفناء الداخلي من ثلاثة مستويات: مستوى داخلي مع نتوءات حجرية ومستويين للنوافذ. بني على ارتفاع كبير فوق مستوى سطح البحر, وكان موقع التل مكاناً مُقدساً للإله “بابا”، حيث كان يتعبد فيه قبل بناء القصر ويعد فيه خطط الحرب, ويحتوي القصر على الكثير من القاعات والصالونات تتميز بلون جدرانها. فالصالون الأبيض ‏والأحمر والأسود تستخدم في استقبال الآلهة الضيوف أثناء زيارتها للعاصمة, إضافة إلى ‏مكتبة القصر التي تحتوي نحو ما يقرب من مئة ألف كتاب.‏ وفي وسط الحديقة يوجد تماثيل لإبنة الإله “بابا” الوحيدة رائعة الجمال والتي شغلت القصر بالكثير من الزوار من الآلهة لطلب الزواج منها. لكن الإله “بابا” كان يرفض الكل من دون أن يهتم لغضب أحدهم فهو السيد القوي صاحب السيف المنتصر الذي يحتمي باسمه كل الآلهة. وفي يوم احتفاله بالجلوس على العرش أعلن زواج وحيدته على الكاهن الطبيب الذي كان يمثل له الصديق والمستشار والطبيب الخاص وسط ذهول وحقد كل من علم بالخبر، حتى الكاهن الطبيب نفسه كان غير مصدق أن يصل عطاء الإله “بابا” له إلى هذا الحد.
عاش الكاهن الطبيب أياماً من السعادة والحب لم تصل إليها الأساطير ولم يرتقِ لها خيال آلهة الشعر, واكتشف مع الأيام أنها هي التي طلبت من الإله “بابا” الزواج منه لما في قلبها من حب عظيم له. لكن حظهما كان سيئاً في الأطفال، فكلما رزقا بطفل يموت قبل أن يكمل عامه الأول. وقيل أن الآلهة الأعداء هم من يقومون برعاية الساحرات ويسخرون الجن لتدمير سعادتهما. عاشت إبنة الإله “بابا” سنوات حزينة وشاركها كل سكان القصر والعاصمة الحزن حتى وصل الحال بالإله “بابا” لعدم الاهتمام بالجند والتوقف عن الغزوات, لكن القدر ابتسم لهم وجاء اليوم الذي ترتسم فيه الابتسامة على وجه كل سكان القصر والعاصمة حيث رُزقت بمولود، ومضى عليه العام الأول من دون أن يموت. فعمت السعادة وأقيمت الأفراح في العاصمة وزين القصر واحتفل الإله “بابا” مع سكان العاصمة به وأعلن في ذلك اليوم أنه وهب له القصر والحكم من بعده وأسماه “ماو”.
تملكتني الدهشة وارتعش جسدي بمجرد سماع اسم “ماو”، وتذكرت حواراً لي مع الكاهن الطبيب عندما سألته ما فائدة تلك المعرفة التي تعطيني إياها في عالم مظلم مثل الذي أعيشه؟ قال لي: ستنفع الناس عندما يعود “ماو”! أمسكتُ لساني ولم أنطق بكلمة خشية أن أقطع قصتها فتركتها تكمل فقالت: وبدأ الإله “بابا” في توسيع العاصمة وتوسيع نفوذه على العواصم المجاورة له, وتزايد عدد الجيش وتطورت أدواته العسكرية, وعم الرخاء في العاصمة وأُنشئت المدارس لتعليم الأطفال والشباب فنون الحرب والزراعة, حتى أن ذلك التطور خلق شيئًا من التمرد في العواصم المجاورة والبعيدة, ووصل الأمر بمطالبة آلهة العواصم بالانضمام تحت راية الإله “بابا”، فانتبهت الآلهة المجاورة لعاصمة الجند عاصمة الإله “بابا”، وبدأت في قمع رعاياها المطالبين بالانضمام للإله “بابا”، فاجتمعوا كلهم على قلب رجل واحد ووحدوا جندهم وشنوا حرباً على عاصمة الإله “بابا”، واستطاعوا أن يقتلوا عدداً كبيراً من الجند على أطراف العاصمة. فحرك الإله “بابا” جزءاً من جيشه فألحق بهم الهزيمة وقاد بنفسه جيشاً كبيراً واقتحم عواصمهم وأسر عدداً كبيراً منهم وهرب الباقي واختفوا خلف التلال البعيدة عند الوادي المظلم. ووسط هتافات الرعايا في العواصم المجاورة لعاصمة الإله “بابا” فتحت الأبواب والقصور وأعلنت ترحيبها بالإله “بابا”، فاستولى الاله “بابا” على كل العواصم التي شاركت في الحرب عليه وعين من يثق فيهم ولاة عليهم وضم لجيشه جنداً منهم وترك العواصم التي لم تشارك في الحرب عليه.
لم تمت الكراهية والخيانة في قلوب الآلهة الهاربين، فسخروا كل ما حصلوا عليه من ذهب قبل هروبهم في تجنيد الجواسيس وخلق الفساد ونشر المخدرات والبغاة في عاصمة الإله “بابا”، ونجحوا في نشر رجالهم في كل مكان فانتشر الفساد والبغاة. فهم الجند واجباتهم ولكن القدر أراد للإله “بابا” الانتصار عليهم بعد أن قدم له الكاهن الطبيب زوج ابنته تقريراً يفيد ببدء انهيار العاصمة. أعلن الإله “بابا” الحرب على الجواسيس وقادها بنفسه واستطاع أن ينقذ العاصمة منهم, لكن يده وعيون كهنته لم تنتبه ولم تصل لعدد محدود منهم، وكان على رأسهم جندي يسمى “نتر”، فلم يشك أحد أن الذي اختاره الكاهن الطبيب ليكون جليساً لطفله “ماو”، حاملاً العرش من بعد الإله “بابا” أن يكون من أحد هؤلاء الخونة المتآمرين على عرش الإله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى