اخر الأخبار

وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ

2835

روي عن الإمام الباقر عليه السلام في وصية لتلميذه وصاحبه جابر: “يَا جَابِرُ اسْتَكْثِرْ لِنَفْسِكَ مِنَ اللهِ قَلِيلَ الرِّزْقِ تَخَلُّصاً إِلَى الشُّكْرِ، وَاسْتَقْلِلْ مِنْ نَفْسِكَ كَثِيرَ الطَّاعَةِ للهِ إِزْرَاءاً عَلَى النَّفْسِ، وَتَعَرُّضاً لِلْعَفْو” . قيل: الشَّكور أبلغ من الشاكر لأنّ الشاكر هو الذي يشكر على العطاء، والشَّكور هو الذي يشكر على البلاء، وقيل: الشاكر الذي يشكر على الموجود، والشَّكور الذي يشكر على المفقود. وكلّنا يعلم أنّ الشكر هو واحدة من القيم الأخلاقيّة المهمّة ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ، لكنّ السؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن للمرء أن يكون شكوراً وأن يظفر بالدافع إلى الشكر؟ فمن عادتنا جميعاً أن نقول بعد تناول الطعام: “الحمد لله”. هذا العمل وإن عدّ شكراً لله وأنّه حسن جدّاً، لكنّه ليس كافياً. فماذا نصنع لنكون أناساً شكورين؟ والإمام الباقر عليه السلام يشير إلى هذه المسألة في موطنين على الأقل من وصيّته لجابر. تحظى مسألة الشكر في النظرة القرآنيّة بأهمّية بالغة. فما يطلبه الله تعالى منّا يفوق بكثير الإكتفاء بقول: “الحمد لله” بعد تناول الطعام. هناك العديد من الكتب التي جُمعت فيها الأحاديث التي تتحدّث عن الصبر والشكر، وهذا دليل على الأهمّية القصوى التي تحظى بها هذه المسألة. إذن علينا أن نفهم أنّ الشكر ليس من المفاهيم العاديّة حتّى ننظر إليه نظرة عابرة. الملاحظة الأخرى التي تتعلّق بأهمّية مسألة الشكر هي أنّ علماء الكلام وعند خوضهم في المباحث الكلاميّة أو البحث المتّصل بإثبات وجود الله تعالى فإنّهم عادة ما يطرحون هذا السؤال: ما ضرورة الخوض في أمثال هذه المباحث؟ إذ أنّ هناك البعض – ونخصّ بالذكر أولئك المنبهرين بالثقافة الغربيّة – ممّن يطرح الشبهة القائلة: ما حاجتنا أساساً للتطرّق إلى مسألة: أ يوجد في هذا الكون إله أم لا؟ فإن كنّا ملتزمين بعدم الكذب وعدم الخيانة، وعدم ممارسة الظلم، ونسعى لأن نكون أناساً صالحين، فإن كان يوجد إله فلا بدّ أنّه يحبّ الإنسان الصالح وإن لم يكن فالبحث مضيعة للوقت. فكيف نستطيع تحفيز الإنسان على البحث في مسألة أصل وجود الله تعالى وصفاته؟ فنحن لا نستطيع أن نقول لبعضهم: كان الأنبياء يعدّون البحث في هذا الموضوع أمراً واجباً! لأنّه لا يؤمن بنبيّ أساساً. إذن السبيل الوحيد لذلك هو الإفادة من قوّة العقل، فالعقل هو الذي ينبغي أن يحكم بوجوب البحث من أجل معرفة الله. يقول المتكلّمون في هذا الصدد: “إنّ أهمّ دليل عقليّ على وجوب معرفة الله سبحانه هو وجوب شكر الـمُنعِم”. فالعقل يقول: “يتعيّن أن تعرفَ الذي أغدق عليك نعماً جمّة، لأنّه من الضروريّ أن تشكر مَن أنعم عليك”. بمعنى أنّهم يعدّون هذا الدليل أكثر الأمور التي تُلزِم الإنسان بالسعي لمعرفة الله بديهيّةً. إذن فمسألة الشكر هي على هذا القدر من الأهمّية. ومع ذلك نرى أنّ الحافز الذي يدفع الناس إلى الشكر ضعيف. فلماذا لا نُقدِّر النعم العظيمة التي أسبغها الله علينا حقّ قدرها؟ ولماذا ينعدم الدافع إلى الشكر لدينا؟ كم مرّة طوال اليوم والليلة نتذكّر أنّه ينبغي علينا أن نشكر الله عزّ و جلّ؟ يُقدّم الإمام عليه السلام لجابر طريقة لإيجاد الدافع إلى الشكر عند الإنسان. فهو يشير في حديثه هنا إلى أنّ علّة شحّة شكرنا هي عدم إلتفاتنا إلى آلاء الله وأنعمه علينا بشكل جيّد. فنحن نتدلّل – بعض الشيء – على الله سبحانه، ونرى أنفسنا مستحقّين وأصحاب حقّ، ونتوقّع منه عزّ و جلّ أن يمنّ علينا بأكثر بكثير ممّا أسبغ علينا إلى الآن من النعم. بل إنّنا أحياناً، وجرّاء وجود بعض النقائص، لا نُعرض عن الشكر فحسب، بل تتولّد لدينا حالة الشكوى والتذمّر أيضاً. إذن يتحتّم علينا أن نبذل غاية المجهود لمعرفة النعم الإلهيّة حقّ المعرفة وأن نفكّر حتّى بنعم الله الصغيرة علينا ونُدرك أهمّيتها. فلا ينبغي استقلال رزق الباري عزّ و جلّ واستكثار أعمالنا. فنحن معاشر البشر نأمل عادةً أن نحوز على ما عند أكثر بني البشر تنعّماً، ونُعاتب الله جلّ وعلا على أن أعطى لفلان نعمةً ولم يُعطني إيّاها. أمّا من جانب آخر فنحن نرى أنّ الأعمال التي نُنجزها نحن جبّارة وقيّمة، ونُحدّث أنفسنا بأنّنا نُصلّي ونصوم ونؤدّي ما أوجبه الله علينا من تكاليف، فما المطلوب منّا ونحن نأتي بكل هذه العبادات ؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى