الداء الدفين
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . قال مولانا الإمام الكاظم عليه السلام: “العجب درجات منها أن يُزيّن للعبد سوءُ عمله، فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنّه يُحسن صنعاً، ومنها أن يؤمن العبد بربّه، فيمنّ على الله عزّ و جلّ ولله عليه فيه المنّ” .العجب هو ابتهاج الإنسان وسروره بتصوّر الكمال في نفسه وإعجابه بأعماله، والإدلال بها بظنّ تماميّتها وخلوصها، وحسبان نفسه خارجاً عن حدّ التقصير، لا السرور بصدور العمل مع التواضع لله والشكر له على التوفيق، والخوف من عدم تمامه وعدم قبوله، فإنّه لا بأس به، بل هو حسن. والعجب من أخبث الأفكار السلبية السيّئة سواء أكان حالة غير راسخة في النفس، أم إذا تغلغلت في النفس وترسّخت فيها وأضحت بالمداومة من ملكاتها، وبذلك يكون العُجب من أعظم المهلكات ومن أشدّ الحجب بين القلب والربّ تبارك وتعالى، ولذلك إنّ المعجب بنفسه مبغوض عند الله، مسلوب التوفيق من ناحية الله لحسبان نفسه غنيّاً عن إنعامه وإفضاله. قال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم في وصيّته لأمير المؤمنين عليه السلام: “ولا وَحْدَةَ أَوْحَشَ من العُجْبِ” . وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: “العجب داء دفين” . وقال الإمام الصادق عليهم السلام : “لا جهل أضرّ من العُجب” . وقال عليه السلام: “إنّ الله عزّ و جلّ علم أنّ الذنب خير للمؤمن من العجب، لولا ذلك ما ابتلى الله مؤمناً بذنب أبداً” . وفي شرح هذا الحديث قال الإمام الخميني قدس سره: إنّ العجب أشدّ من الذنب في حضرة الله تعالى، ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يُصبح آمنا من العجب، وكذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يعدّ العجب من المهلكات” .فالعُجْب من أشراك الشيطان الخطيرة “تمتدّ جذور هذه المسألة إلى حبّ الذّات. وحبّ الذّات هو من لوازم وجود الإنسان ومن المستحيل أن يوجَد موجود ذو شعور لا يُحبّ ذاته. لكنّه عندما يوفّق اللهُ الإنسانَ للقيام بأمر على أحسن وجه وبنيّة صالحة ويبلغ به النتيجة المرجوّة يأتي الشيطان ليوسوس له بأنّك – حقيقةً – شخص مميَّز جدّاً. فإذا أتى المرء بعبادة مثلاً أوحى الشيطان له بقياس نفسه بأهل المعاصي قائلاً له: انظر كيف أنّ الآخرين مبتلون بالمعاصي والشهوات وغلبة الهوى في حين أنّك – والحمد لله – من أهل العبادة ومصون من الذنوب. فإنّك مفضَّل كلّ التفضيل على الآخرين! ثمّ يُحاول شيئاً فشيئاً استدراجه إلى مقارنة نفسه بأهل العبادة ويكشف له عن أولئك العُبّاد المتورّطين ببعض الزلاّت والسيّئات، وفيما يتعلّق بسائر أمور الخير والصلاح كطلب العلم، والتدريس، والخطابة، والإنفاق، ومثيلاتها فهو يبذل غاية وسعه ويوسوس له بأنّك تفوق الكثير من أقرانك ومن يُماثلونك في أعمال الصلاح بالفضل والامتياز”. يقول الإمام الخميني قدس سره في مفاسد العجب: “سأل موسى ين عمران على نبيّنا وآله الشيطان: “أَخْبَرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ أاسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال: إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه” .ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسنداً إلى الإمام الصادق أنّ الشيطان يقول: “إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أُبال ما عمل، فإنّه غير مقبول منه: إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه، ودخله العُجْبُ” . يضاف على ما سمعت من مفاسد العجب، أنّه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصّل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك، ومن مفاسده استصغار المعاصي. بل إنّ ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه ويظنّ أنّ نفسه زكيّة طاهرة، فلا يخطر على باله أبداً أن يُطهّرها من المعاصي، لأنّ ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه، وهذه مصيبة، إذ إنّها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدّي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه…



