التربية طريق الكمال


لو خُلّي الإنسان ونفسه، دون أن يكبح جماح هذه النفس، فإنّه سوف يُصبح أكثر افتراساً من الحيوانات. وما نُشاهده من جرائم ومجازر تُرتَكب بحقّ البشريّة من قِوىً عظمى تدّعي تحلّيها بالتربية، هو خير دليل على ذلك؛ فالحيوان المفترس يُطارد الفريسة، فإذا نال منها ما يُشبع جوعه، توقّفت عنده حالة الافتراس والهيمنة تجاه حيوان آخر، أمّا جرائم هذه الحكومات فإنّه لا حدّ لها ولا نهاية. ولو أُعطي الإنسان دولةً كاملةً، فإنّ أهواءه النفسيّة غير المحدودة سوف تدفعه للتطلّع إلى دولة أخرى يبسط عليها نفوذه وهيمنته، فتطلّعاته لا حدّ لها، ويسعى دائماً نحو السيطرة والنفوذ. وإن تُرِك دون رادع، فإنّ آماله تكون في الشهوات اللامتناهية، وفي الغضب اللا محدود، وفي نوازع الهيمنة التي لا تنتهي… مهما بلغ عِظم السيطرة ومكان نفوذها، يبقَ الطمع حاكماً على النفوس البشريّة، فلو سيطر الإنسان على منظومة شمسيّة كاملة، فإنّه سيسعى لمنظومة أخرى، ولو سيطر على كوكبٍ ما، فإنّه سيتطلّع إلى كوكبٍ آخر. لقد خُلِق الإنسان على هذه الشاكلة، لا حدّ لغضبه، ولا لشهوته، ولا لأنانيّته! فقط هي التربية التي تسدّ هذا النهم والجشع، فمن خلالها يصل الإنسان إلى الغاية التي يُريدها من الأشياء، من خلالها يصل إلى الكمال المطلق، الذي يبعث الطمأنينة في نفسه، فتهدأ. ولا سبيل إلى هذه الطمأنينة، طمأنينة القلوب، إلّا في الوصول إلى الله. النفس دائماً تتطلّع إلى الكمال المطلق، والخطأ يقع في تشخيص هذا الكمال، فهناك من يرى أنّ الكمال في العلم، فيقتفي أثره؛ وآخر يراه في السلطة، فيلهث خلفها… فكلّ الساعين في الدنيا، إنّما يطلبون الكمال المطلق، وهو الله تبارك وتعالى، ولكن دون أن يلتفتوا. فطمأنينة القلوب هي في الوصول إلى الله. وبغيره لا تهدأ القلوب مطلقاً. إنّ هذه النفس تتطلّع إلى الكمال المطلق، فيتيهون عن الكمال في نهاية المطاف. إنّ نفس الإنسان تُريد الوصول إلى الكمال المطلق. العالم مدرسة، معلّموها الأنبياء والأوصياء، والله معلّمهم ومربّيهم؛ فقد اصطفاهم الله وعلّمهم وربّاهم لهذا الهدف، ألا وهو تربية الناس كافة وتعليمهم. فبعد أن تربُّوا وتعلَّموا الأحكام الإلهية أُمِروا بتربية البشر وتعليمهم. جاء في القرآن الكريم، متحدّثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، فالدافع الأساس من وراء البعث في هذه الآية هو التربية والتعليم، فالله تعالى أرسله واجتباه من بين هؤلاء الأمّيين والجهلة، والذين لا عهد لهم بالتربية والتعليم الإلهيين، حتّى يتلو آياته عليهم، ومن خلال ذلك، وبالتربية التي تلقّاها الرسول من الله تبارك وتعالى، يقوم بتربيتهم ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة. وفي الآية نكات كثيرة حول أهمّية التربية والتعليم والتعلّم، ففي قوله ﴿هُوَ الَّذِي﴾ دلالة واضحة على مدى أهمّية هذا الأمر وعظمته، حيث نسبه إلى نفسه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ﴾ رسولاً من بين الناس، وهم أمّيون، أمّيون رغم معرفتهم ظاهراً ببعض العلوم والصناعات، ولكنّ العالم أجمع أمّي في قِبال تلك التربية الإلهيّة، التي تتحقّق لهم على أيدي الأنبياء عليهم السلام إنّ الطريق الوحيد للتربية والتعليم، هو الطريق الذي بيّنه الحقّ فقط وأوحى به، وهو التهذيب المقترن بالتربية الإلهيّة، والتي يُربّي الأنبياء الناس عليها. فهذا العلم الذي عرضه الأنبياء على البشر، هو وحده طريق الإنسان إلى الكمال المنشود، كما تُبيّن ذلك الآية القرآنية الكريمة: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ . فالناس قسمان، قسم تربّى على أيدي الأنبياء، فخرجوا من ظلماتهم وغيّهم ومشاكلهم، ودخلوا إلى النور والكمال المطلق، والآخر أولياؤهم الطاغوت. فالآية تضع ميزاناً وملاكاً للإيمان، وتُفصّل بين مدّعي الإيمان وبين المؤمنين، فالمؤمن هو الذي خرج من الظلمات إلى النور، ومن جميع النقائص، وتجاوز جميع الموانع التي تقف في طريق الإنسان، ولا يكون ذلك إلّا بالتربية الإلهيّة، التي يتلقّاها من الأنبياء الذين ربّاهم الله، فهذا هو المؤمن. أمّا مدّعو الإيمان، وهم كثيرون في قِبال المؤمنين، فوليّهم الطاغوت، يُخرجهم من النور ويوصلهم إلى الظلمات. فالمؤمن الحقيقيّ معلّمه ووليّه الله، وذلك عبر الوساطة، وهي الأنبياء؛ فالله خصّهم بتربيته، فإذا ما تربّينا على أيديهم، ونهلنا من معينهم وعلومهم، وعملنا بتعاليمهم، فإنّا سنسلك الصراط المستقيم، ونهتدي إلى النور، نهتدي إلى الله، الذي هو النور والكمال المطلق .



