الإرادة تصنع المعجزات

بقلم/ عبد الرحمن رشيد..
نجلة عماد بنت ديالى التي طالها الإرهاب، وفقدت ساقيها وإحدى يديها عندما وضع الظلاميون عبوة ناسفة تحت سيارة والدها، وهي تجلس إلى جانبه. تلك الطفلة لم تفقد الأمل، بل تحدّت الإعاقة، وتمسّكت بالحياة رغم فقدان أطرافها، بقلب يتسع لكل ما يحيط بها من عذابات، وبصبر فاق كل الحدود.
كبرت نجلة وكبرت طموحاتها، ودخلت المدرسة وتفوّقت في دراستها، وأحبّت كرة الطاولة منذ صغرها. وكانت تتدرب على حائط “الطرمة” وعلى “صبّة” في عز الصيف وبرد الشتاء، وكان خصمها جدارًا صامتًا تلاعبه يوميًّا بكرة بيضاء ومضرب خشبي ويد واحدة.
وكانت تتلمّس طريقها وحيدة، رغم العوز والفقر، إلا أن شجاعتها تفوق شجاعة الفرسان في كل خطوة تخطوها نحو سلّم المجد الذي كان يراودها في اليقظة والمنام. واصلت تدريباتها اليومية بشكل منظم ومستمر، ولم يدخل اليأس قلبها يومًا، بل ظلّت تتحدّى كل الصعوبات التي واجهتها.
نجلة عماد عراقية الهوى والانتماء، صنعت المجد أولاً للعراق وثانيًا لنفسها، متحدّية حياة قاسية وظروفًا معيشية أقل ما يقال عنها إنها تحت خطّ الفقر، لم تطمح يومًا إلى امتلاك سيارة “تاهو” أو رصيد مصرفي أو جمع الدولارات، ولم تنتظر منصبًا وظيفيًا كبيرًا وحاشية وحمايات، بل كان كل اهتمامها منصّبًا على رفع علم العراق في المحافل الدولية.
وهنا بدأ المشوار عندما شاركت في تنس الطاولة البارالمبي عام 2015، وأصبحت واحدة من أفضل اللاعبات في دوري كرة الطاولة. وفي عام 2024، حصدت نجلاء الذهب في دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية، لتصبح أول امرأة عراقية تحصل على الميدالية الذهبية البارالمبية، كما احتلت المرتبة السابعة في دورة الألعاب البارالمبية طوكيو 2020.
وكانت نجلة وهي بعمر 19 عامًا، قد اختيرت ضمن قائمة “فوربس الشرق الأوسط” لأفضل 30 شخصية تحت 30 عامًا لعام 2024، بعد تألقها في الألعاب البارالمبية الآسيوية.
ومنذ بداياتها عام 2015 وحتى انتصاراتها البارالمبية، واصلت نجلة حصد الذهب، وكان آخر إنجازاتها في دورة الألعاب الآسيوية المقامة حاليًا في اليابان، عندما انتزعت الذهب الآسيوي، لتطرّز صدر العراق بإنجاز جديد، ويُعزف النشيد الوطني العراقي في اليابان.
نجلة عماد حققت ما عجز عنه كثيرون، وبعثت برسالة مفادها، أن الإرادة تصنع المعجزات، وأن العمل والصبر والتحدي والمثابرة عناوين المجد، ولا مكان لليأس في قاموسها. فكان النجاح حليفها، وأصبحت الإعاقة بإرادتها طريقًا إلى النجاح، بابتسامة مشرقة وملامح طبيعية من دون رتوش. وهي تستحق أن نطلق عليها لقب “أميرة تنس الطاولة” بلا منازع.
نجلة وخلال 32 يومًا فقط، خطفت أربع ميداليات ذهبية في بطولات إسبانيا وفرنسا وفنلندا، وآخرها في اليابان، تحت إشراف مدربها القدير حيدر سليم السعدي.
ألا تستحق نجلة أن يكون لها تمثال عند مدخل محافظة ديالى، اعتزازًا بإنجازاتها غير المسبوقة في تأريخ الرياضة العراقية؟ إنها تستحق رعاية خاصة واهتمامًا من الحكومة، وهو جزء يسير مما يُصرف على كرة القدم التي لم ترتقِ بعض مشاركاتها الخارجية إلى مستوى ما حققته بنت العراق.
وهنا أيضًا، نطالب الشركات الراعية باحتضانها وتوفير أشكال الدعم كافة لها، لأنها ثروة وطنية ومنجم من الذهب.. تحية لنجلة ابنة العراق ونرفع لها القبعات.



