أئمة الشكر
إنّ المتأمِّل في آيات القرآن الكريم يجد أنّ الله تعالى صرّح بالثناء على صفوة خلقه أولي العزم من الرسل عليهم السلام بأنّهم كانوا من الشاكرين، فوصف نبيه نوحاً عليه السلام بأنّه ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . ونعت خليله إبراهيم عليه السلام بأنّه كان: ﴿شَاكِرا لِّأَنْعُمِهِ﴾ . وهذا النبي الشاكر، والأوّاب الذاكر: سليمان بن داود عليهما السلام، والذي حفظ القرآن له أكثر من موقف عبّر فيه عن شكره لنعم ربّه، وبيّن أنّ فرحة اكتمال النعمة، وتمام الأمنية لم تُلهِه عن اللهج بالاعتراف بها لمسديها، وشكره عليها، استوقفته تلك النملة حين نذارتها لقومها تأمّل كيف لم تشغله تلك النعمة عن التوجّه إلى من أنعم عليه بها، بل حرّك فيه هذا المشهد الرغبة في الشكر لمستحقّه، فهو الذي علّمه ما علّمه، ويتكرّر مشهد الشكر عند هذا النبي الكريم، لمّا رأى عرش بلقيس مستقرّاً عنده ـ فيقول: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .إنّه حال الشاكرين، فسليمان – عليه الصلاة والسلام – لم تشغله – هذه الآية العظيمة، وهي: حضور عرش بلقيس بسرعةٍ هي أقل من طرفة العين – عن شكر من أنعم عليه بذلك، بل لهج بالثناء والحمد لله تعالى. فإذا كان هذا حال أنبياء الله تعالى ورسله، فغيرهم أحوج إلى أن يكون. الحمد والشكر لله. شعاراً لهم ودثاراً، فإنّ الأمر كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: “النعمة موصولة بالشكر، والشكر موصول بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله سبحانه حتى ينقطع الشكر من الشاكر” وفي مقدمة الشاكرين وإمامهم، سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، وذلك لأنه أتقى الخلق، وأعرفهم بحقّ خالقه، وأشكرهم له. ويظهر ذلك جليًا من خلال النظر في حاله وسيرته مع أهل بيته عليهم السلام، وأزواجه وأصحابه، وعامة من رآه أو أتاه. روي عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليه السلام: – في حادثة طويلة ومفصَّلة – عن أمير المؤمنين عليهما السلام في فضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: “إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيزاً كأزيز المرجل على الأثافي من شدّة البكاء، وقد أمنه الله عزّ و جلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، ويكون إماماً لمن اقتدى به، ولقد قام عليه وآله السلام عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه واصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عزّ و جلّ ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ . بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أ ليس الله عزّ وجلّ قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال: بلى أفلا أكون عبداً شكوراً” .أما الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فإنّهم هم الذين سيشكرون من ربّهم في الآخرة بالأجر الذي سيظلّون أبداً يحمدونه من أجله. عندما يقول لهم سبحانه بعد أن يستقرّوا في نعيمهم: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ . ويستأنف الشكر لهم من الله بسخاء عطائه جلّ شأنه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)0



