اخر الأخباراوراق المراقب

الجاهلية على ضوء القرآن الكريم في بعض مظاهرها

مصطفى النصراوي..

لا يبدو ذكرُ الجاهلية في القرآن الكريم مجرد مرحلة تأريخية انتهت بظهور الإسلام. إنّ الآيات التي وصفت بعض مظاهرها تكشف لنا عن خلل أعمق في علاقة الإنسان بالحق. فالجاهلية في هذه القراءة، هي أن يحول بين الإنسان والحق حاجز من الهوى أو العصبية أو الوهم أو السلوك الذي يستسلم لمعايير منحرفة.

قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾.

أولًا: حكم الجاهلية

إنّ الهوى يحجب الحق حين يجعل الإنسان مصلحته معيارًا للعدل، فيقبل الحكم إذا وافقه، ويرفضه إذا خالفه، ومظاهره كثيرة ومتكررة، منها حرمان المرأة من الإرث. ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ في مقام تشريع الإرث ضمن هذا السياق، فإنّه يُشعر بذلك الحرمان الجاهلي للمرأة من الإرث.

ولعلّ من مظاهر امتداد الجاهلية حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله حرمان فاطمة الزهراء عليها السلام من إرثها، وقد احتجّت على القوم في خطبتها الفدكية وأنكرت عليهم ما فعلوه من مظاهر الجاهلية، فكان صوتها يمثّل امتدادًا لصوت الرسالة في مواجهة الجاهلية، ومنعها من التسلّط على رقاب الأمة بعد النبي. وكانت عليها السلام مستندة في ذلك كله إلى كتاب الله تعالى حين قالت: «… وأنتم تزعمون ألّا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون؟! ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون. أفلا تعلمون؟ بلى، تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته. أيها المسلمون، أأُغلب على إرثي؟ يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ “لقد جئت شيئًا فريًا” أفعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم.

إنّ حكم الجاهلية لا يرتبط بزمن بعينه، إنه يتجلى كلما عُطّل ميزان الحق، وأُخضعت الحقوق للأهواء والتأويلات التي تخدم المصالح. فالانتساب إلى الإسلام لا يعصم الإنسان من الوقوع في بعض مظاهر الجاهلية، ما لم يكن الاحتكام إلى كتاب الله والإنصاف في تطبيق أحكامه حاضرًا في المواقف العملية.

ومن هنا تكتسب احتجاجات السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام دلالتها في هذا السياق، إذ تجعل من مظلوميتها قضية غير شخصية ولا معزولة، فقد أقامت احتجاجها على سؤال قرآني يكشف التناقض بين الانتساب إلى الوحي ومخالفة مقتضاه: أفحكم الجاهلية يُبتغى حين يكون الحق واضحًا، وبعد أن جاء رسول الله بحكم من الله تعالى، وهو أحسن الأحكام؟

حمية الجاهلية

يضع القرآن الكريم أمام التصورات الجاهلية للانتماء ميزانًا جديدًا للكرامة الإنسانية، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

إنّ موضع التأمل الذي نريده هو الشطر الأخير من الآية، إذ لا يكتفي القرآن بتفسير التنوع الإنساني على أنه حقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للتنازع، وإنما يعيد تعريف معيار التفاضل نفسه، فليس الانتماء إلى شعب أو قبيلة أو جماعة مصدرًا ذاتيًا للكرامة، وإنما المعيار هو التقوى.

بهذا التحول يفقد النسب واللون والقبيلة صلاحيتها لتكون أدلة مستقلة على التفوق، وتصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يتحقق فيه من مسؤولية أخلاقية. ولا يعني ذلك أن الآية تلغي الانتماءات أو تدعو إلى محو الخصوصيات، ولكنها تنزع عنها حق التحول إلى امتياز أخلاقي موروث، يمنح صاحبه منزلة لم يكتسبها بعمله، أو يسوّغ له الانتقاص من غيره.

وهنا يتضح الفرق بين التعارف والعصبية، فالتعارف يتيح للإنسان أن يرى في الآخر شخصًا له كرامته وحقوقه، بينما تدفع العصبية إلى رؤيته من خلال موقعه من الجماعة التي ينتمي إليها. وحين تتحول الجماعة إلى ميزان للحقيقة والفضيلة، يُصبح المرء مستعدًا للدفاع عن الخطأ إذا صدر عن جماعته، وإنكار الصواب إذا جاء من خارجها.

انتقال المبدأ من النص إلى الدولة

لم تكن مقاومة العصبية في التجربة الإسلامية مجرد خطاب أخلاقي، بل ظهرت في طريقة النبي (ص) في التعامل مع أصحابه وتعزيز مبدأ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال كلمته المشهورة: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»، وسار على هديه وصيّه علي عليه السلام، حيث ظهرت آثار مقاومته للعصبية في قضايا الحكم وإدارة المال العام، وخاصة في التسوية في العطاء، وهي سياسة اصطدمت بتوقعات اجتماعية ومصالح استقرت في نفوس بعض الناس خلال مراحل سابقة.

حين تولّى الإمام علي عليه السلام الخلافة، اتجه إلى التسوية في توزيع المال العام، ولم يرَ أن ما استقرّ في المجتمع من تفاوت ينبغي أن يستمر لمجرد أن الناس اعتادوه فبيت المال، وفق النظرية الإسلامية في الإدارة المالية، ليس ملكًا للحاكم أو حاشيته، ولا مكافأة تمنحها السلطة لمن يرضيها، بل مال عام تحكم توزيعه معايير العدل والحقوق.

ومن هنا لم يكن التغيير العلوي مجرد تعديل في مقدار ما يناله هذا الشخص أو ذاك، لقد كان مساسًا بفكرة أوسع عن السلطة، مُفادها: هل وظيفة الحكم تثبيت التراتبيات التي ألفها المجتمع، أم إخضاعها لمعيار العدل حين تتعارض معه؟

إنّ الفرق بين الأمرين كبير، لأن المساواة قد لا تواجه مقاومة بسبب غموض معناها، ولكن بسبب وضوح ما تقتضيه من تنازل. وقد يؤمن الإنسان بمبدأ العدالة في ذاته، لكنه يتردد في قبوله حين يصبح مطالبًا بأن يتعامل مع غيره على قدم المساواة، بعد أن كان يرى لنفسه منزلة استثنائية.

وهنا تتصل حمية الجاهلية بالعدالة اتصالًا مباشرًا، فحين يُمنح الإنسان امتيازًا بسبب انتمائه، ثم يرفض إخضاع هذا الامتياز لمعيار الإنصاف، يصبح انتماؤه حجابًا يحول بينه وبين رؤية الحق. وقد يكون الخطاب المعلن هو التقوى والمساواة، بينما تكشف الممارسة عن ولاء أعمق للمنفعة والمكانة.

وهكذا يمكن قراءة موقف الإمام علي من العطاء بوصفه اختبارًا عمليًا لمعيار التفاضل الذي قرره الإسلام (التقوى)، ليترك لنا هذا الموقف أسئلة تطفو على السطح، وتُعاد في كل زمان، لضمان استمرار الرقابة على سلوكيات أفراد المجتمع الإسلامي.

والأسئلة هي: هل تُقاس قيمة الإنسان بما ورثه من موقع اجتماعي، أم بما يقتضيه العدل من حقوق ومسؤوليات؟ وهل تُحترم المساواة حين توافق مصالحنا فقط، أم نلتزم بها حين تمس ما ألفناه من امتيازات؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى