ما أثر الاعتذار للطفل في بناء شخصيته؟

عزيز ملا هذال..
من أهم ما يجب حفظه للإنسان في الحياة بصورة عامة هو كرامته، وهذه القاعدة مطلقة وليس فيها استثناء، فالصغير والكبير يحتاج الى حفظ الكرامة عبر عدة سلوكيات منها تقديم الاعتذار له عند الخطأ بحقه، ولأننا قلنا إنها قيمة مطلقة فيجب حفظ كرامة الطفل وعدم إهانته وتجاهله بداعي عدم فهمه او عدم معرفته للاعتذار، فما أهمية الاعتذار للطفل؟، ومن المسؤول عنها؟
الأسرة هي المسؤول الأول عن إنماء غالبية السلوكيات الإنسانية التي يراد لها أن تتشكل في الانسان، فالأسرة تعد البيئة الأولى التي يتشكل فيها الوعي الإنساني وتتحدد داخلها ملامح الشخصية وسلوكها المستقبلي، وفي هذه البيئة لا يتعلم الطفل المفاهيم الأخلاقية عبر المواعظ المجردة والتوجيهات الشفهية المباشرة فحسب، بل يتشربها من خلال الممارسات اليومية والتفاعلات الوجدانية والسلوكية التي يراها لدى الوالدين والمربين.
ومما يجب الالتفات اليه أن أية سلوكية نحبذ أن تكون لدى أبنائنا يجب أن نغرسها في نفوس أبنائنا عبر ممارستها معهم، فحين نريد منهم الاعتذار عند الخطأ يجب أن نتعذر لهم عندما نخطأ بحقهم، أما أننا نرغمهم على سلوك ونحن لا نسلكه معهم فأنهم يمتثلون خوفاً وكرهاً وحين يتمكنون من عدم الامتثال فأنهم يفعلون، ونتائج ذلك سيكون وخيماً لأننا سنصنع منهم متمردين وعصاة في المستقبل.
فالاعتذار للطفل ليس مجرد مجاملة عابرة أو إرضاء لحظي لتهدئة موقف طارئ، بل هو استراتيجية تربوية ونفسية متكاملة تُسهم بتشكيل الهوية النفسية للأبناء، وتؤصل لديهم مفهوم الكرامة الذاتية، وتحدد طبيعة التفاعل الاجتماعي مع الآخرين في المستقبل وهذا هو الذي يجب العمل من أجله.
ماهي العائدات النفسية للاعتذار على بناء شخصية الطفل؟
عندما يقدم الاعتذار للطفل فأن يحظى بالعديد من التغيرات النفسية والتركيبية في أبعاد شخصيته، ومن أهم هذه العائدات ما يلي:
أولى العائدات هي ترسيخ مفهوم التقدير الذات والكرامة لدى الطفل، اذ تتكون صورة الذات لدى الطفل بناءً على الانعكاسات التي يحصل عليها من محيطه الاجتماعي القريب ولا سيما الوالدين، فعندما يعاني الطفل الظلم ولا يعوض أو يعترف بحقه، يتولد لديه إحساس باضطراب القيمة الذاتية، وقد يقتنع داخلياً بأنه غير مستحق للاحترام، أو أن مشاعره غير مهمة.
أما عندما يعتذر له من قبل والديه ومحيطه الاجتماعي، فإن ذلك يوجه له رسالة نفسية هامة تخبره بأنه شخص مهم ومحترم وله كيان إنساني لا يمكن المساس به بأي شكل من الاشكال، وهذا الاعتراف يمنع الطفل من تطوير تشوهات في التفكير الذاتي أو الانزلاق نحو العجز المكتسب الناتج من الإحباط.
والعائد الثاني بحسب نظريات النمو الأخلاقي فأن الاعتذار للطفل يعمل على تحفيز النمو الأخلاقي ومفهوم العدالة لديه، حيث ينتقل الطفل من مرحلة الأخلاق الموضوعة من قبل السلطة إلى مرحلة الأخلاق المستقلة والتبادلية، فحين يرى الطفل أن القانون الأخلاقي يطبق على الجميع بالتساوي الكبار والصغار على حد سواء سينمو لديه مفهوم أصيل للعدالة والإنصاف.
أما ثالث العائدات فيتمثل في أن الاعتذار للطفل يسهم ببناء الكفاءة الذاتية والشجاعة الأخلاقية في جعل الاعتذار أداةً ذات أثر سلوكي بالغ، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يعتذر فيها عند الوقوع في الخطأ يطور شجاعة إنسانية مرتفعة للإقرار بأخطائه لاحقاً من دون خوف مفرط من العقاب أو من الوصم، كما يتعلم أن الخطأ لا يعني نهاية العالم، ولا يُعد وصمة دائمة، بل هو مجال للتصحيح والتعلم، الأمر الذي يحُدُّ من ميل الطفل إلى الكذب أو إلى التهرب من تحمل المسؤولية حماية لخصوصيته الشخصية.
وختاماً نقول: إن ثقافة الاعتذار للطفل ليست سلوكاً هامشياً أو ترفاً تربوياً، بل هي ممارسة أخلاقية وتطبيق عملي لقيمة الكرامة الإنسانية المطلقة، وحين نعتذر للطفل فأننا نخرج للمجتمع إنساناً متزناً شجاعاً في مواجهة خطئه، ومؤمناً بحرمة كرامة الآخرين وضرورة حفظها.



